جندر

من ويكي الجندر
(بالتحويل من الجندر)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

جندر(أيضا: نوع اجتماعي و جنوسة) هي الأدوار والفروقات الاجتماعية التي تظهر تحت مصطلح الذكورة و الأنوثة، وترتكز في المجتمع على نظام من الثنائيات المتعارضة بين النوعين، مثل: سيادة الرجل ضد إنقياد المرأة، وعقلانية الرجل ضد عاطفية المرأة، وقوة الرجل ضد ضعف المرأة.

(بالإنجليزية: Gender)

تعريف المصطلح

يسعى مفهوم الجندر إلى تحليل النظرية التي تقول أن الفروقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة قد تم التلاعب بحقيقتها للحفاظ على نظام السلطة الأبوية داخل المجتمع، وخلْق شعور جماعي بين النساء بأن الأدوار الوحيدة المناسبة "لطبيعتهن" هي أدوارهن في الحيز الخاص، كربات بيوت أي الأدوار الانجابية.

أصل المصطلح

أول من صاغ مفهوم الجندر كان عالم النفس روبرت ستولر، وذلك ليفرق بين العوامل الاجتماعية والنفسية للأنوثة والذكورة في المجتمعات وبين العوامل البيولوجية الطبيعية للفروق الجنسية التي خُلقت مع الأفراد"[1]. كما يشير المصطلح إلى أن العلاقات والفروقات بين النساء والرجال، بما فيها العلاقات الاقتصادية، ترجع إلى الاختلاف بين المجتمعات والثقافات وأن أدوار الرجال والنساء هي عرضة للتغيير طوال الوقت وتتأثر بالديناميكيات الإثنية والطبقية. كما أن المصطلح ليس بديلًا عن مصطلح "الجنس" الذي يعني الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء وعليه يستخدم "الجندر" في تحليل الأدوار والمسؤوليات والحاجات الخاصة للرجال والنساء في كل مكان وفي أي سياق اجتماعي.

الجذور التاريخية للنظرية المعاصرة

تحدثت الكاتبة راوين كونيل (R. W. Connell) في الفصل الثاني من كتابها الجندر والسلطة: الجندر، الفرد، والسياسات الجنسية (Gender and power: Society, the person and sexual politics) عن تاريخ تطور بحث ودراسة الجندر في الغرب، بدايةً من العصور الوسطى مرورًا بعصر التنوير ووصولًا للنظرية المعاصرة.[2]

تقول راوين كونيل أن نظريات الجندر العلمية والاجتماعية إنما هي من إبتكار الغرب، كما تؤكد أنها دراسات حديثة.

في العصور الوسطى، كانت العلاقة الأخلاقية ما بين الرجال والنساء والإله مرتبطة بشكل مباشر بنقاشات علماء اللاهوت والفلاسفة عن الجنس والجندر، ولكن ما كان يستحوذ على إهتمام علماء اللاهوت والفلاسفة هو النقاش حول ما يجب على الفرد القيام به وما يجب أن يلتزم به في سلوكه حتى تصبح علاقته بالإله مُرضية، بدلًا من محاولة فهم وتحليل لماذا يسلك الأفراد طرقًا غير تلك التي يجب أن يلتزموا بها.

ومع بداية عصر التنوير، كان الإطار الذي تُقام فيه النقاشات هو إطار أميل أخلاقي علماني، حيثُ بدأ تآكل الاعتقاد بأن الله قد وضع طريقًا محددًا للرجال والنساء حتى يسلكونه، ولهذا كانت تُقام النقاشات حول نفس المواضيع ولكن في إطار أكثر علمانية، و في هذا السياق بدأ الجدال والتشكيك حول التبرير الأخلاقي للعلاقات الجندرية القائمة بين الرجال والنساء والتي يحتل فيها الرجال المرتبة الأعلى.

الثورة الفرنسية

دفعت الثورة الفرنسية الجدالات القائمة حول الجندر والعلاقات الجندرية في إتجاه أكثر راديكالية، ، ففي عام 1792 نُشرت وثيقة إثبات حقوق المرأة (Vindication of rights of woman) بقلم الكاتبة الفرنسية ماري وولستونكرافت (Mary Wollstonecraft).

كانت أهم كتابات ماري هي وثيقة حقوق الرجل، والتي قامت بكتابتها ردًا على إيمانويل بروك (Emmanuel Bruke)، وهو أحد الكتاب البريطانيين، والذي قال أنه لا يجب على المواطنين أن يثوروا على حكوماتهم حتى يغيروا عادات الحُكم بشكل جذري، وكان رد ماري عليه أنه لا يجب أن تُبنى الحقوق على العادات ولكن فقط على المنطق والعقلانية.

وكانت وثيقة "إثبات حقوق المرأة" مخصصة للرد على شارل موريس تاليراند-بيريجور (Charles Maurice Tellyrand-périgord)، والذي ألقى خطبة في الجمعية الوطنية الفرنسية حول التعليم، قائلًا فيها أنه يجب على النساء الإهتمام فقط بالشؤون المنزلية وأن يبقين بعيدات عن الساحة السياسية.

طرحت ماري في وثيقة إثبات حقوق النساء أن النساء لسن بالطبيعة عاطفيات وغير عقلانيات، كما شددت بقوة على دور المجتمع والظروف القمعية التي تنشأ فيها الفتيات الصغيرات في تشكيل الشخصية الأخلاقية للنساء (Women's moral Character)، فهي لم تُرجع أسباب ذلك للتكوين الطبيعي لنساء ولكنها أرجعته لمعاملة النساء على أساس أنهن كائنات تابعة لا تكترث سوى بأناقتها وجاذبيتها، كما عددت الطرق الكثيرة والمختلفة التي تُجعَل النساء من خلالها تابعات، فهن يتعلمن أن مظهرهن هو أهم ما يمتلكن، ولذلك يميلن لإبداء ضعفهن ولعدم ممارسة المنطق لإرضاء الآخرين، وتستمر تلك العملية حتى تصبح النساء أنفسهن جزء من ممارسة وتطبيق ذلك النمط المُتوقع منهن والمفروض عليهن، وبالنسبة لها النساء لم يتوفر لديهن الأدوات للمطالبة بحقوقهن الأساسية أو حتى للوعي بوضعهن في المجتمع. [3]

القرن التاسع عشر

في القرن التاسع عشر كانت الأدوار الجندرية مقسمة بحيثُ كان الرجال مهيمنين على المجال العام بالعمل والإنتخاب والإنخراط في الحياة السياسية، بينما كانت النساء معزولات في المنازل يقُمن بالأعمال المنزلية من طبخ وتنظيف وتربية الأطفال، كما كان هناك حظر على حق النساء في التصويت و التملُّك في العديد من الولايات.[4]

هيمنة الأفكار الليبرالية

في إطار انتشار الأفكار والقيم الليبرالية، وتعلية شأن قيمة المواطنة كان المنطق المهيمن على حركة النساء الوليدة هو منطق المساواة بين الرجال والنساء، مع الحفاظ على الثنائية الجندرية القائمة ولكن مع مسائلة مدى أخلاقية النظام الذي يحافظ وينشئ النساء في المرتبة الأدنى.

في عام 1848، عُقد مؤتمر سينيكا فولز (The Seneca Falls convention)، وهو أول مؤتمر يناقش ويطالب بحقوق النساء الاجتماعية والمدنية والدينية، في مدينة نيويورك. كُتِيَت حينها عريضة بالمطالب الصادرة عن المؤتمر والتي تتلخص في حق النساء في التعليم وفي التملُّك وفي حضانة الأطفال في حالات الطلاق وحق النساء في الإنتخاب. وقع على هذه العريضة 100 فردًا (68 امرأة، 32 رجلًا).[5]

الحركة الاشتراكية

بدأت قيم المساواة بين الجنسين بالانتشار في الحركة الاشتراكية في بدايات القرن التاسع عشر، حتى أصبحت جزءً من التقاليد الاشتراكية السائدة. تبلور ذلك بشدة في كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة (The origin of the family, Private property and the state) للمنظر الاشتراكي فريدريك إنجلز (Fredrech Engels). وبالرغم من اعتماد إنجلز في كتابه على فرضيات تاريخية وإثنوجرافية ضُحِدت فيما بعد، إلا أن كتابه كان شديد الأهمية ويعود ذلك لإشارته أن العلاقات بين النساء والرجال إنما هي جزء من منظومة اجتماعية مبنية على سياق تاريخي محدد. أطروحة إنجلز جسدت تطور العلاقات الجندرية تاريخيًا في الماضي القديم، وفي التاريخ المعروف، كما ناقش وضع تلك العلاقات الذي يأمله الاشتراكيون، ولكنه في نفس الوقت أبقى على معيارية فئتي "النساء" و "الرجال"، كما أبقى على سماتهم التقليدية في تحليلاته. [2]

ومع صعود حركة الاتحادات العمالية الجديدة (New Unionsim)، في إنجلترا أثناء الفترة ما بين 1880 و 1890، بدأ تكوين الاتحادات النقابية للعمالة الغير مهرة، وظهرت الكثير من التحديات التي تواجه تنظيم النساء العاملات لأنفسهن دونًا عن رفاقهن من الذكور حيثُ كانت أغلب الاتحادات والنقابات العمالية المُدارة من قبل العمال الذكور ترفض عضوية العمالة النسائية بها، كما كانت نوعية العمل المطلوبة من النساء في السوق هي نوعية خاصة جدًا ومقتصرة على الأعمال المنزلية مدفوعة الأجر وصناعات الأنسجة والملابس، بالإضافة لكل ذلك كانت النساء العاملات يعانين من الطلبات التي يُلزمن بها من أزواجهن وأقربائهن.

ونتيجة لذلك الوضع، تعالت أصوات بعض النساء في الحركة الاشتراكية مثل كلارا زيتكن (1857- 1933) (Clara Zetkein)، وهي اشتراكية ألمانية، لعبت دورًا قياديًا في الحزب الشيوعي الجديد بألمانيا (KDP) وفي الأممية الثالثة. كانت كلارا زيتكن تجادل بضرورة تطوير الأفكار الاشتراكية حتى تتضمن تحليل القهر الذي يقع على نساء الطبقة العاملة وكيف يمكنهن التحرر منه، كما رأت ضرورة إنهاء الإنقسام الجنسي للعمل وذلك من خلال البدء في تنظيم النساء العاملات لأنفسهن بهدف إنهاء ذلك الوضع.

المثلية الجنسية وعلم الجنس

في أواخر القرن التاسع عشر، كانت التعريفات الاجتماعية للمثلية الجنسية وللمثليين جنسيًا أكثر حِدّة باعتبارهمن مجموعة منفصلة ومنعزلة من البشر، ودُعم ذلك من خلال صدور تشريعات جديدة لتجريم المثلية الجنسية، ومن خلال تعريف المثلية الجنسية والسلوك المثلي كمرض طبيًا، وأيضًا من خلال التفاعل السياسي والثقافي للأشخاص والمجموعات المثلية نفسها مع الاضطهاد الذي يتعرضن/ون له.

بدأ بعض المتخصصون في علم الجنس الكتابة لتحليل وفهم المثلية الجنسية كسلوك، وكان منهم كارل أولريتش (1825- 1895) (Karl Ulrichs). إعتبرت كتابات كارل أولريتش أول نظرية علمية للجنسانية، حيثُ شرح في كتاباته المتتالية عن المثلية الجنسية أنها جزء من الطبيعة الإنسانية التي يولد بها الفرد، وكانت نقطة إنطلاقه الأساسية قادمة من فكرة أن الرجل المثلي يحمل عقل الأنثى التي تميل للرجال. إفترض كارل أولريتش أن الأفراد يولدون إما بأعضاء جنسية أنثوية أو ذكرية، وأن ذلك يعتبر أحد قواعد الطبيعة، ولكن، بالرغم من ذلك، إلا أن هناك بعض الاستثناءات والتي تتجسد في الأشخاص الإنترسكس، أي اللذين يولدون بكلا الأعضاء الجنسية. تقبل أولريتش أنه كقاعدة طبيعية فإن الشخص الذي يحمل الأعضاء الجنسية الذكرية يميل إلى النساء، ولكنه وضع افتراض أن هناك بعض الاستثناءات من تلك القاعدة أيضًا. فوفقًا لتحليل أولريتش، إن العقل هو الذي يحدد الإنجذاب الجنسي، وليس شكل الأعضاء الجنسية أو تكوين الجسد، ولكنه أقر أيضًا أن الميل الجنسي للرجال هو جزء من طبيعة النساء، ولذلك كان يرى أن الرجل الذي ينجذب للرجال فهو يحمل عقل (psyche)امرأة. [6]

تلى كارل أولريتش، ماجنوس هيرشفيلد (1868-1935) (Magnus Hirschfield)، والذي يُعد من أوائل المساهمين في دراسة المثلية الجنسية والعبور الجنسي، والتعامل معهم كهويتين جنسيتين منفصلتين.

وبحسب مؤسسة ماجنوس هارشفيلد، الذي قام بتأسيسها عام 1919 :

"بين عامي 1899 و 1923 ، جمع هيرشفيلد وموظفوه مختارات من 20000 صفحة. وكان الهدف من "الكتاب السنوي للانمطيات/ين جنسيًا" هو إظهار أنه يوجد بين "الرجل الكامل" و "المرأة الكاملة" عدد لا حصر له من التدرجات والتراكيب. الإنترسكس، العابرات/ين جنسيًا، المثليات/ون جنسياً هم الرابط الطبيعي الضروري بين قطبي الرجل والمرأة. فإن المثلية الجنسية هي نوعًا ما "الجنس الثالث"."[7]

شارلز داروين

في عام 1874 ، قدم شارلز داروين (Charles Darwin) شرحًا مفصلاً للإنتقاء الجنسي (Sexual selection) كآلية للتطور إلى جانب الإنتقاء الطبيعي (natural selection) الذي قام بشرحه في كتابه أصل الأنواع (the origin of species)

أخذ داروين قضية الجنس من أيدي علماء اللاهوت وعلماء الأخلاق وجعلها مسألة مراقبة ومقارنة لسلوك أنواع الكائنات الحية، وبدأ المزيد من علماء الأحياء في الاهتمام بطرح سؤال لماذا وُجِد الجنس على الإطلاق؟ مما دفع بتطوير رؤية التكاثر الجنسي كأحد أهم مصادر مزايا التطور البيولوجي، وبهذا قدمت نظرية داروين وما تلاها تفسير هيمنة الرجال على النساء بصفتها أحد قوانين التطور.

رسخ علم الأحياء التطوري لفكرة أن أنماط العلاقات الجندرية الموجودة بحاجة لتفسير وأنها إشكالية إلى حدِ ما، وذلك بتقديمه شرحًا للسلوك الجنسي.

القرن العشرين

سيجموند فرويد والتحليل النفسي

بالرغم من أن تحليلات فرويد للنمو النفسي الجنسي (Psycho-sexual development) بالإضافة لعلاجاته النفسية قد ساهما في الحفاظ على البنية الأبوية القائمة والدفاع عن مكوناتها الأيديولوجية ومبادئها، إلا أنه قد سلط الضوء على تاريخ حياة الفرد كوحدة التحليل الأساسية لسلوكه. كما قدم الكثير من المعلومات والتحليلات المعقدة لشرح تكوينات الأنوثة والرجولة كتكوينات نفسية مبنية على عملية إجتماعية.

ففي مقالاته "ثلاثة أوراق حول نظرية الجنسانية" (three essays on the theory of sexuality)، في عام 1905، طرح فرويد مفهوم "فطرية ثنائية الميل الجنسي" (the innate bisexuality) كمدخل لفهم المثلية الجنسية. كان فرويد يعني بفطرية ثنائية الميل الجنسي أن جميع البشر يولدون بميل جنسي ثنائي وأن ذلك الميل الثنائي يتحول لميل أحادي في إطار مراحل تنشئة الفرد، بينما يتحول الميل الجنسي الثنائي لحالة كامنة بداخله. وينتج ذلك التحول عن العوامل الداخلية (أي البيولوجية) والعوامل الخارجية (أي السياق الاجتماعي والتجارب الحياتية للفرد).

ينطلق فرويد من أطروحة فطرية ثنائية الميل الجنسي إلى إمكانية ميل البشر إلى كلا الجنسين في آنِ واحد، ولكنه يقول أنه هناك ميل جنسي مشترك وطبيعي لدى كل جنس للجنس المقابل، كما يضيف في أطروحته أن الميل الجنسي المثلي ينتج عن صدمات نفسية قد يتعرض لها الفرد تعيق نموه الجنسي الأحادي المغاير الطبيعي وتؤدي لعدم انجذابه للجنس المقابل.

بالرغم من وصف فرويد للميل الجنسي المغاير كميل طبيعي، وشرحه للميل الجنسي المثلي كنتيجة للصدمات النفسية التي قد يمر بها الفرد، إلا أن أطروحته تلك قد أدت إلى إدراك عدم وجود نمط ثابت وواحد للشخصية الجنسية للفرد. كما أظهر تحليله ل"عُقدة أوديب" (Oedipus complex) أن أنماط المشاعر لدى البالغين هي نتيجة لنشأتهم، وأن تجارب الطفولة المختلفة لدى الأشخاص المختلفين تُطور وتعيد تشكيل كل جانب من جوانب الحياة العاطفية والجنسية للفرد.


الثورة الروسية والاتحاد السوفييتي

تطورت حركات النساء بداخل الحركة الاشتراكية، أثناء العقد الأول من القرن العشرين، في دول متعددة من ضمنها ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وتحت ضغط المجموعات النسائية، بدأت تظيمات الطبقة العاملة استكشاف طرق جديدة عملية لجعل مهام اعادة الإنتاج والأعباء المنزلية مهمة مجتمعية، وتم ذلك من خلال عمل تعاونيات لرعاية الأطفال، ومن خلال المساكن الشعبية ومؤسسات غسل الملابس ودور الحضانة العمومية.

ولمدة قصيرة، كانت تلك هي السياسات المتبعة من قبل الحكومة الثورية في الاتحاد السوفييتي، صُدرت قوانين حضانة خاصة تمنع ساعات العمل الطويلة والعمل الليلي واُقرت إجازة ولادة مدفوعة الأجر، ومراكز شعبية للعناية بالأسرة ولرعاية الأطفال. وفي عام 1920، تم سن قانون لضمان الحق في الإجهاض، وتم تشريع الزواج المدني وتسهيل اجراءات الطلاق. كما تم إلغاء مفهوم "الأطفال الغير شرعيين". [8]

هيمنة الستالينية

أدت السياسات الستالينية إلى ردة في وضع حقوق النساء، وما قد كفلته القوانين المسنونة في عهد لينين وتروتسكي. حيثُ تم منع الحق في الإجهاض، وتم العمل على تعقيد الإجراءات المتعلقة بالطلاق حتى أصبح الطلاق إجراءً قضائيًا باهظ التكلفة لتحقيقه. كما قُلِصت ساعات عمل دور الحضانة، وغيرها من الاجراءات التي كانت تعد مؤشرًا قويًا لتراجع وضع النساء اجتماعيًا. [8]

وبالرغم من ذلك، إلا أن النسوية الاشتراكية قد قدمت شرحًا نظريًا مهمًا، وقد وضعت ما يتم تسميته الآن ب "الإنقسام الجنسي للعمل" على أولوية أجندة التحليل والفهم، مثلما طرح داروين وعلماء الجنس موضوع الجنسانية. [2]

ثلاثينيات القرن العشرين

في الجيل التالي، كانت أغلب التطورات مقتصرة على مجال الأكاديميا، سؤال "النساء في السياسة" كان قد أنتج تجاوب كبير من قبل العلوم الجديدة كعلمي النفس والإجتماع. كانت أحد أهم الخطوط البحثية تسائل ماهية الاختلافات النفسية بين الرجال والنساء وكيفية حدوث تلك الاختلافات، وتقاطعت هذه الأسئلة مع التكنولوجيا الجديدة للمواصفات القياسية (standardized attitude) واختبارات الشخصية (personality tests). استخدمت تلك التكنولوجيا الجديدة لقياس الرجولة والأنوثة كصفات نفسية مما دفع أيضًا إلى تشخيص الإنحرافات الجندرية فيما بينهما.

طورت الفيلسوفة الأمريكية جيسي تافت (Jessie Taft)، (1882-1960)، فكرة التهميش الثقافي للنساء (Women's cultural marginalization)، كما طورت نظرية اجتماعية للذات كحقل للحركة النسائية (a social theory of the self as the ground for the woman movement)، للنظر في تأثير المواقف المقيدة للنساء اجتماعيًا على نمو الشخصية الأنثوية. بحثت أطروحة تافت الكثير من العوامل التي تؤثر على حياة النساء ومنها وضع المرأة بين اختيار حياة مشلولة في المنزل وحياة غير متحققة خارجه، كما ناقشت دور الأسرة كوحدة تتفاعل مع باقي المؤسسات الإجتماعية وتنشئ الفرد وفقًا للمعايير المفروضة اجتماعيًا، كما ناقشت دور النساء في العالم الصناعي الجديد والذي ينحصر فقط في دور المستهلك، كما قالت أنه بالرغم من وجود نساء عاملاتـ إلا أنهن لا يعلمن الكثير عن عملهن في السياق الاجتماعي، فبالنسبة لها بدون تمتع النساء بحقهن في التصويت سيفتقدن لذاتهن الاجتماعية (Social self) وبالتالي لن يشعرن بالمسئولية أو بقدرتهن على تغيير علل المجتمع. ومع ذلك، انتقدت جيسي تافت حركة حق النساء في التصويت (Suffragette)، وذلك بسبب إيمانها أن الحصول على الحق في التصويت من دون تغيير التوقعات الاجتماعية الموضوعة على عاتق النساء، لن يتحقق التحرر الحقيقي. وقالت أنه "ينبغي أن تكون النساء منغمسات في ثقافة تتوقع منهن أن يكن مشاركات وفاعلات منذ صغرهن".[9]

في هذه الفترة، أُنتجت الكثير من الأبحاث التي تتسائل حول "الفروق الجنسية" (Sex difference)، والمقصود بها الفروق بين الرجال والنساء بيولوجيًا ونفسيًا وجتماعيًا، وبدأ تعميم استخدام لفظ الدور الجنسي (Sex role)، والمقصود به الدور الرجولي أو النسائي الذي يتم تنشئة الأفراد اجتماعيًا ليلائموه. أصبحت المفاهيم مثل الدور الجنسي المعياري (Normative sex role) والأنماط المتنوعة التي تنحرف عنه مؤثرة بشدة في مجال البحث الأكاديمي. [2]

ظل الدور الجنسي (Sex role) هو المفهوم المحوري في الفكر الأكاديمي لفهم الجندر، مع تطور أدبيات الفروق الجنسية (Sex difference) تحت مظلة مفهوم "الدور" أي الدور أو الأدوار الاجتماعية.

في نفس الوقت بدأ التحليل النفسي يؤثر على تطور الأنثروبولجيا ويدفعها في اتجاهات جديدة؛ فعلى سبيل المثال، أطلق فرويد وتلميذه المجري جيزا روهيِّم (Géza Roheim) أطروحة عالمية عقدة أوديب. يعتبر جيزا روهيم (1891- 1953) من أهم علماء الأثروبولوجيا والتحليل النفسي، ويُنسب له أنه المؤسس للتحيليل النفسي الأنثروبولوجي (Psychoanalytic anthropology) كما طور النظرية الجينية للثقافة (Ontogenetic theory of culture) حيث ركز على أهمية علمي الأحياء والتشريح لفهم التكوين النفسي والعقلي للفرد. واعتمد في نظريته على العلاقة الاعتمادية الطويلة ما بين الطفل وأمه خلال مراحل نموه الجنيني أثناء الحمل والبيولوجي بعد الولادة، وما يترتب على ذلك من روابط عاطفية واجتماعية.[10]

حركة تحرر المثليين والنسوية:

ما حدث في سبيعينيات القرن العشرين، بتفاعل النسوية كأيديولجية سياسية مع حركة تحرر المثليين/ات في الولايات المتحدة الأمريكية، أدى إلى إعادة توجيه جزء كبير من المجال البحثي حول مواضيع السلطة واللامساواة، أدى هذا إلى إعادة الربط ما بين النظرية (التي طغت عليها الأكاديميا) وما بين السياسات الراديكالية. وأصبحت القضايا الاستراتيجية لحركة التحرر الجنسي مركز القضايا التي يهتم بها جيل جديد من المنظرات/ين. وأصبحت نظرية الجندر نظرية استراتيجية، مبنية على التساؤل حول كيف وإلى أي مدى يمكن للعلاقات الاجتماعية المبنية على الجندر أن تتغير؟ وبالرغم من أن الحركة النسوية كانت قد وصلت لأطروحات متماسكة وقائمة حول الكثير من القضايا، إلا أنه كانت هناك مساحة كبيرة للتساؤل بكثافة وبعمق حول كل شئ، مما جعل من التحليلات حول الجندر من أكثر القوى تشتيتًا في المجال الثقافي كله. كانت للنسوية أثر كبير على الأكاديميا؛ فحجم الأبحاث حول الأدوار الجنسية/الجندرية والفروقات الجنسية/ الجندرية ارتفع من 0,5% من نسبة المقالات المنشورة في مجلات علم الإجتماع سنة 1969 إلى 10% سنة 1978.

كتبت الباحثتان إلينور ماكوبي وكارول جاكلين كتابًا بعنوان "سيكولوجية الاختلافات الجنسية " والتي تحدثتان فيه عن أن جنس/جندر الفرد هو مزيج ما بين الحقائق البيولوجية والحقائق الاجتماعية, في مقدمة دراستهما قدمتا بحثهما باعتباره دراسة تبحث أثر الجنس البيولوجي على سيكيولوجية الفرد وتساعد على تعميق الفهم لبعض الأمور المبدئية كالطريقة التي تتفاعل بها المعطيات البيولوجية مع التجربة الاجتماعية وأثرهما على تشكيل سيكولوجية الفرد.

سنة 1975 أنشئت مجلة بحثية بعنوان "الأدوار الجنسية/الجندرية"، وانقسم مجال التنظير إلى قسمين؛ الأول هو المجال المهتم ببحث التنشئة الاجتماعية للفرد (أسطورة الرجولة – the myth of masculinity جوزيف بليك)، والثاني هو العلاج النفسي المرتبط بالتعديل الجندري، بمعنى تعديل بعض السلوكيات المرتبطة بجندر معين مثل التبعية وما يليها من انعدام التعبير عن الذات عند النساء والعنف وتبلد المشاعر عند الرجال، تمت تلك العلاجات من خلال التدريبات التعبيرية للنساء وهو نوع من أنواع العلاج السلوكي الذي كان يساعد النساء على التعبير عن أنفسهن وتفضيلاتهن و"علاج نفسي للرجولة" وكان المنطق الأساسي للعلاج هو احتياج الرجال إلى معالجين لكسر الدور الرجولي التقليدي حتى يصبحوا أكثر حساسية وتعبيرًا . زعمت مراكز الرجال التي أُنشئَت في السبيعنات في الولايات المتحدة الأمريكية أنهم يسعون للتحرر مما اعتبروه دورًا جنسيًا مقيد. كان يروج لتلك العلاجات من قِبَل حركة الأطباء النفسيين النامية حينها مثل هيرب جولدبرج في كتابه مخاطر أن تكون رجل – hazards of being male

أسطورة الرجولة: بحث وحلل وانتقد الكتابات البحثية الكاملة حول دور الذكور منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حدد مكونات نموذج "الدور الاجتماعي للذكور" وكتب ملاحظاته حول التضليل الملحوظ للبيانات في أغلب الأبحاث، والتفسيرات الملتوية التي ينتج عنها نتائج مغلوطة وذكورية ومعادية للمثلية الجنسية ومنحازة طبقيًا. واقترح نموذج "الأدوار الجنسية" كنظرية جديدة تقدم إعادة صياغة لأنماط الادوار الجنسية وتقدم نقد للباحثين السوسيوبيولوجيين الزاعمين بأن عنف الذكور هو ميل متأصل فيهم بيولوجيًا. https://mitpress.mit.edu/books/myth-masculinity مخاطر أن تكون رجُل: جادل الدكتور جولدبرج بأنه يتم التحكم في الرجال وتشكيلهم من خلال الأسرة والمجتمع وعادةً ما تشجع النساء قيام الرجال بأدوار متناقضة كأن يكون رجل أعمال عنيف وزوج مُرهف في وقت واحد؛ أو أن يكون المصدر الأساسي للدخل وأن يكون أبًا منتبهًا لأطفاله؛ أون أن يكون الحامي الشجاع لأسرته وبلده وفي نفس الوقت لديه قدرة على ممارسة الحميمية. ويضيف قائلًا أن مثل تلك القيود المستحيلة تشل الرجال عاطفيًا وجسديًا. https://www.amazon.com/Hazards-Being-Male-Surviving-Masculine/dp/0965762874

شكل مدخل الأدوار الجنسية/ الجندرية ركيزة مهمة في الأفكار النظرية التي ارتكزت عليها النسوية الليبرالية، وهي أكثر أشكال النسوية تأثيرًا في الولايات المتحدة الامريكية. تقدم النسوية الليبرالية اضطهاد النساء باعتباره نتيجة للتوقعات النمطية والمبنية على العادات والتقاليد، التي تحملها النساء وتعيد انتاجها، يتم الترويج لهذه الأنماط من خلال الأسرة والمدرسة والعمل والإعلام والمؤسسات الأخرى التي تساهم في التنشئة الاجتماعية للفرد. لا يرى الييبراليون أن النظام بطبيعته غير عادل، أو أن التمييزيُمارس بشكل منهجي ومؤسسي، بل بالعكس إنهم يرون أن الرجال والنساء بإمكانهم العمل معًا من أجل المساواة ومن أجل القضاء على السياسات والممارسات التي تميز ضد النساء. تُقَدِم النسوية الليبرالية تكتيكات مثل التمييز اللإجابي والتعديلات القانونية والسياسية المرتبطة بالمساواة في الفرص وتحدي وكسر الأنماط الاجتماعية بشكل فردي كحل للامساواة وكطريق لإعادة هيكلة البُنا والعلاقات الجندرية في المجتمع .

أصبحت نظرية الأدوار الاجتماعية هي المرتكز الأساسي للإصلاح النسوي الذي قدمته الدول، فبدأت تُكتب تقارير تستهدف رصد وتحليل أوضاع الفتيات والنساء في التعليم والعمل والصحة والاقتصاد وغيرها من المجالات التنموية وإيجاد حلول لها، كمثال على ذلك تقرير لجنة المدارس الأسترالية بعنوان "الفتيات، المدارس والمجتمع - Girls, schools and society" الذي صدر عام 1975 وتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان "النساء والتوظيف- Women and employment" الذي صدر عام 1980. كما بدأ الترويج لخطاب يوضح المكاسب التي قد يستفيد منها الرجال إذا تم التحرر من الأعراف المرتبطة بالأدوار الجنسية/الجندرية، كان ذلك خطابًا مهيمنًا وتم الترويج له من قِبل العديد من الرجال المنخرطين في حركة تحرر الرجال – men's liberation في منتصف القرن العشرين.

الفتيات، المدارس والمجتمع: تكون النقرير من أربعة عشر فصلًا تُناقش فيهم مواضيع الأدوار الجنسية والاختلافات الجنسية في المدارس، وما تقدمه المناهج التعليمية من أفكار وقيم والذي بشأنه أن يُشكل وعي التلاميذ، وإصلاح المدارس كمؤسسات تساهم في تكوين وعي الأفراد، وعلاقة الأدوار الجنسية بتنشئة التلاميذ والمعلمين/ات، والجنسانية والعلاقات الإنسانية. تبنى التقرير في لغته مصطلحات وأفكار لتطوير التحليلات المرتبطة بلجندر وبالنظام الجندري، فالاختلافات الجنسية والأدوار الجنسية والذكورية كانوا المصطلحات الأكثر محورية في التقرير، وتسليط الضوء على الأشكال المختلفة من الأنوثة والرجولة كان أحد أهم ما حققه. بوجه عام ، قد ركز التقرير على أن الجندر وأنظمته هو بناء اجتماعي مبني تاريخيًا، وقدم التقرير المؤسسات التعليمية كمواقع هامة يمكنها المساهمة في الإصلاح الاجتماعي والاتجاه نحو مجتمع عادل. dehanz.net.au/entries/girls-school-and-society-2/

تحرك الجناح النسوي الأكثر راديكالية في اتجاه يتخطى مفهوم "الأدوار الجنسية/ الجندرية" و تحدي وكسر التوقعات المبنية على أنماط اجتماعية محددة كاستراتيجية سياسية. كان النقد المقدم للتمركز حول ذلك المفهوم وتلك الاستراتيجية يركز على افتقارهما لفهم علاقات السلطة وتوازنات القوى الغير متعادلة في العلاقات الجندرية. فقد قدمت الكثير من المجموعات المعنية بتحرر النساء اضطهاد النساء باعتباره نتيجة لامتلاك الرجال سلطة على النساء، وأنه حتى تتحرر النساء لابد من تحدي وكسر تلك السلطة بالضرورة. لم يلقى ذلك التحليل قبولًا واسعًا في الأكاديميا، بينما تم تبنيه وتطويره في الحركة الاجتماعية ومن خلال التجارب المختلفة للحملات السياسية ومجموعات رفع الوعي.

فلقد قدم هذا التحليل للعلاقات الجندرية الرجال والنساء باعتبارهمن بنايات اجتماعية مرتبطة ببعضها من خلال علاقات السلطة فيما بينهم مما يتطلب تعبئة النساء وتبنيهن لخطاب سياسي يؤكد على المصلحة المشتركة فيما بينهن لاسقاط سلطة الرجال كاستراتيجية للتغيير السياسي. كان هناك رؤى مختلفة للعلاقة مابين هاتان البناياتان بناءً على التحليلات النسوية المختلفة؛ فالبعض مثل كريستين ديلفي (في كتابها العدو الرئيسي- the main enemy) ركزن على علاقة الاستغلال الاقتصادي للزوجات من قِبَل أزواجهن، وأخريات مثل شولاميث فيرستون في كتابها (جدلية الجنس– the dialectic of sex) رأين سلطة جماعية تمارس من قِبَل الرجال من خلال الأسرة كمؤسسة مركزية لممارسة وإعادة إنتاج تلك السلطة، بالنسبة لها أساس الاضطهاد مبني على سيطرة الرجال على أجساد النساء وجنسانيتهن وليس في تحمل النساء لعبء الأعمال المنزلية. رأى جانب آخر من النسويات الأبوية كنظام عالمي، مستدام من خلال إمتلاك الرجال للقوة والتخويف وتعاونهم فيما بينهم لاستمراره. واتبعت الكثير من التنظيرات النسوية الراديكالية لهذا النهج في تحليلاتهن للإغتصاب مثل سوزان براونميللر في كتابها ضد إرادتنا – against our will وفي تحليلاتهن للمواد والأفلام الإباحية مثل أدريا دووركين في كتابها الإباحية: الرجال يمتلكون النساء- Pornography: men possessing women.

ظهرت تحليلات مختلفة وأكثر تعقيدًا ترى هيمنة الرجال واضطهاد النساء كنتائج لتفاعلات اجتماعية أخرى خارج العلاقة المباشرة ما بين الإثنين ، الشكل الأكثر عمومية لذلك التحليل مبني على الحاجة لإعادة الإنتاج الإجتماعي؛ بكلمات أخرى إعادة إنتاج البنى الإجتماعية المختلفة ونقلها من جيل إلى آخر إلى جانب إعادة الإنتاج البيولوجي. من أهم الكتابات في هذا الخط التحليلي كتاب جولييت ميتشيل التحليل النفسي والنسوية – psychoanalysis and feminism، يظهر هذا الكتاب تأثرها بشدة بالبنيوية الماركسية والأنثروبولوجية, وكتاب دوروثي دينيرستاين في كتباها حورية البحر والمينوتور- the mermaid and the minotaur المبني على التحليل النفسي، تحدثت دوروثي عن سلطة الرجال وخضوع النساء الذي ينبع من تنشئة الاطفال الذي تهيمن عليه النساء باعتبارهن أمهات، واعتبرت التنشئة كعامل أساسي خلال التاريخ الإنساني كله. وكتاب كلير بورتوت الخضوع – Subordination ، تربط من خلاله ما بين التحليلات العابرة للثقافات لاضطهاد النساء وبين نقد التعليم ونظرية الدولة.

كان السؤال الأكثر محورية بالنسبة للنسويات الاشتراكيات لا يرتبط بإعادة الإنتاج الإجتماعي، بل بالإحتياج الأساسي لرأس المال بأن يعيد إنتاج نفسه مع تحقيق أكبر قدر من الأرباح، مما أدى إلى تقسيم قوة العمل على أساس جندري وقهر واستغلال ربات المنازل. ساعدت هذه التحليلات بفي إرساء بعض من المبادئ حول بناء الحركة وتشكيل استراتيجياتها، فحين كان الماركسيون يناهضون إنفصالية التنظيمات النسوية، كانت الغالبية من النسويات الاشتراكيات ينادين ببناء حركة نسوية ونسائية مستقلة قادرة على التشبيك مع حركات اجتماعية أخرى تناضل ضد الرأسمالية مثل الحركة العمالية. لفتت النسويات الاشتراكيات النظر لوضع النساء العاملات، وفي سبعينات القرن العشرين، ظهرت حجج كثيرة حول العمل المنزلي الغير مدفوع الأجر الذي تقوم به النساء ومدى اهميته بالنسبة للنظام الاقتصادي الرأسمالي. بالرغم من أن الجدال حول العمل المنزلي تاه في وسط الكثير من الجدالات والتنظيرات الماركسية إلا أن حملة "أجور من أجل الأعمال المنزلية" قد أعطت بعدًا طبقيًا للنقد النسوي للأسرة النووية.

مثل خط التحليل المرتبط بالسياسات والاقتصادات المرتبطة بعمل النساء المدفوع الأجر خطًا شديد الأهمية، فلقد أرسى لرؤية النظام الاقتصادي كنظام اقتصادي مُجندر مبني على الإستغلال والتحكم والسيطرة والنضال الاجتماعي، هذا ما وضحته لويس كاب هوي في كتابها عمال الياقات الوردية –pink collar workers . رأت تلك التحليلات مكان العمل كموقع أساسي لممارسة السياسات الجنسية، وكمؤسسة تمثل نقطة الالتقاء بين سوق العمالة وتوزيع الدخول وكهدف حياتي يتم تنشئة الأفراد أيديولوجيًا واجتماعيًا لتحقيقه، هذا ما تم تطويره على يد أكثر من منظر/ة مثل آن جيمي و روزماري برينجلز في كتابهما الجندر في العمل- Gender at work، وسينزيا كوكبورن في كتاب الأخوة وآلية الهيمنة- the brothers and the machinery of dominance، وكارول أودونيل في كتابها أساس المقامرة- The basis of bargain.

في هذا الوقت ظهرت الكثير من التحليلات التي تنتقد الأسرة النووية باعتبارها مؤسسة سلطوية والأداة الأساسية التي تُمَكِّن المجتمع من السيطرة على جنسانية أفراده والتي تُستدام من خلال مؤسسة الزواج والعمل المنزلي والأمومة كمكونات أساسية لأيديولوجيتها. أتى النقد الأكثر راديكالية للأسرة النووية من منظري حركة تحرر المثليين حيثُ اعتبر الغالبية العظمى من منظري الأدوار الاجتماعية والمنظرين/ات الاشتراكيين/ات أن الغالبية العظى من البشر هم بالطبيعة مغايرين جنسيًا، حتى حركة تحرر المثلييمن/ات المبكرة قد قبلت بذلك ولكن عارضت الأجيال الجديدة للحركة هذا الافتراض ورفعوا شعار "كل رجل مغاير هو هدف لتحرر المثليين"، تلك التحليلات ساهمت في وجود الكثير من الأعمال النظرية التي تتبع نفس الخط التحليلي في بلدان مختلفة؛ مثل دينيس ألتمان في أستراليا في كتابه المثلية: قهر وتحرر- Homosexuality: oppression and liberation، وماريو ميلي في إيطاليا في كتابه المثلية والتحرر- homosexuality and liberation كما طور اليسار المثلي في انجلترا نظريات نقدية مختلفة للجنسانية، فلقد رأوا بوجه عام أن الأسرة هي المصنع الأساسي الذي ينتج المغايرة الجنسية والذي يتناسب مع احتياج النظام الرأسمالي لإعادة إنتاج قوة العمل (أي العمال) ويتناسب أيضًا مع حاجة الدولة للهيمنة والإخضاع.

أحد الصعوبات التي برزت في تلك التحليلات هي تعريف الرجولة، ففي بدايات حركة تحرر المثليين رأى بعض المنظرين أن الذكور المثليين قد خرجوا عن الرجولة، ولكن هذا التفسير أصبح أقل مصداقية مع انتشار ا لمثلية الرجولية (gay machismo) في الثقافات الفرعية للمجتمعات المثلية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، كما ركزت الكثير من التحليلات النسوية الراديكالية على الاختلافات ما بين الالمثلية بين النساء والمثلية بين الرجال وومايعانيه كل منهما اجتماعيًا ، وأكدن على عدم رغبتهن في التحالف السياسي مع الذكور المثليين.

في بدايات ثمانينات القرن العشرين كانت النظرية المثلية منقسمة داخليًا في ثلاثة اتجاهات، الاتجاه الأول والذي يمثله ديفيد فيرنباخ في كتابه ار الحلزوني- the spiral path والذي يؤكد على رؤيته للنظام الأبوي وللدولة باعتبارها دولة أبوية تمارس العنف ضد المثليين وتتعامل مع الرجال المثليين باعتبارهم أنثويين بالضرورة. والاتجاه الثاني الذي يمثله دينيس ألتمان في كتابه ………………. Homosexualization of americaوالذي يركز على المجتمعات الجنسية الجديدة وعلى الطرق التي يمكنهمن من خلالها خلق أشكال مختلفة من التضامن والدفاع عن النفس. والاتجاه الثالث والذي تأثر بشدة بكتابات ميشيل فوكو والذي تسائل حول الهوية المثلية كشكل من أِكال التنظيم الاجتماعي، والذي يرى مساحة للتطور من خلال تفكيك المثلية نفسها.

تاريخ المصطلح باللغة العربية

الجندر والجنس البيولوجي

الجندر واللغة

الجندر ونسوية ما بعد الإستعمار

مصادر