ترجمة:النقد النسوي والنسوية الإسلامية: مسألة التقاطعية

من ويكي الجندر
اذهب إلى: تصفح، ابحث
Tango Globe of Letters.svg

محتوى هذه الصفحة ترجمة نصّ من لغة غير العربية أنجزته المساهمات و المساهمون في ويكي الجندر وفق سياسة الترجمة.

شعار ويكي الجندر.svg
مقالة رأي
ترجمة هويدا أحمد منير من الإنجليزية
تحرير حسين الحاج
بيانات الأصل:
العنوان الأصلي Feminist critique and Islamic feminism: the question of intersectionality
المصدر postcolonialist
تأليف سارة سالم
تاريخ النشر 2013-11-18
تاريخ الاسترجاع 2018-07-02
مسار الأصل http://postcolonialist.com/civil-discourse/feminist-critique-and-islamic-feminism-the-question-of-intersectionality/


قد توجد وثائق أخرى من نفس المصدر مصنّفة على تصنيف:وثائق مصدرها postcolonialist




ملخص البحث:

أسست النسوية الغربية السائدة منذ نشوئها موقعًا إقصاءيًا على عدة جبهات، نتيجة لإستمرار تأثرها بافتراضات الموجة الأولى من النسوية. وأسئلة التعريف والتغيير مركزية بالنسبة إلى أي مشروع يهدف إلى إحلال تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي، لكن التعريف يجلب مخاطرة ضمنية برسم حدود تضم البعض بينما تقصي البعض الآخر. وبعبارة أخرى، فإن فعل التعريف يشكل ممارسة للسلطة التي تصنع خبرات بعض النساء بصفتها أبوية وأخرى بصفتها تحررية. يركز هذا المقال على التوترات التي عادة ما تبرز في المشروع النسوي حول موضوع الدين والنساء المتدينات، فقد عانت النسوية الغربية السائدة منذ أمد طويل من صعوبات في التعامل مع النساء المتدينات، فعلى أحد الجوانب، طرح الدين بصفته مؤسسة أبوية بالوراثة تقصي النساء بطبيعتها وتعتبرهم غير مساوين للرجال. وعلى الجانب الآخر، ترى العديد من النساء أنفسهن بصفتهن نسويات وأيضًا متدينات، مما يبرز أسئلة مهمة حول إذا ما كانت النسوية تخلق مفهومًا شديد التبسيط للدين. يمكن في قلب هذا الجدل السؤال حول الاختيار وطريقة الحكم على الاختيارات التي تتخذ ومن قبل من. وبعبارة أخرى، من يقرر أن الدين يقمع النساء وما علاقات السلطة الموروثة في اتخاذ هذا القرار؟ ولذلك فإن الهدف هو وضع سياق المقاربة الإقصائية بشكل مستمر من قبل العديد من النسويات تجاه النساء المتدينات من خلال التركيز على حالة النسوية الإسلامية، كما التساؤل عما إذا كانت التقاطعية تبدو بصفتها حلاً ملائمًا لهذا الإقصاء.

مقدمة:

"يمكن للدين المساهمة في عالم ما بعد أبوي"[1]

إن الصمت الضارب حول النسوية والدين لهو صمتٌ عميق ويمكن جذوره في ما فوق سردية التعلمن[2] التي تؤثر على إنتاج المعرفة في حقل النسوية (وعلى نطاق أوسع في مجال العلوم الإجتماعية). يدل الصمت على الإشارة إلى الموقف السلبي تجاه الدين المتخذ من جانب الباحثات النسويات،[3] وليس إبراز صعوبة مقاربة موضوع استقلال المرأة في اتصاله مع الدين فحسب. وبرغم أن هناك كم مهم من الأعمال حول الدين والأبوية مثلما عن الفعالية والاستقلالية والنوع الإجتماعي، فإنه هناك القليل من الأعمال في الموضوع الخاص بالنساء والدين والشعور بالإستقلالية.

وتجادل إيلينا فيولا أن الرؤية السطحية أو الإختزالية للدين من جانب الباحثات النسويات تعني أنهن لا يرين الصورة الكاملة، أو كما تقول،

"فعلى أحد الجوانب، هناك نوعًا من "العمى النسوي" أو مقاومة، لأهمية الدين بالنسبة للنساء. وعلى الجانب الآخر، هناك نوع "النموذج الديني" للدراسات النسوية حيث نرى فيها النساء من خلال عدسة الدين بصورة رئيسية، خصوصًا في البحث المنفذ من قبل الباحثين الغربيين في البلدان الإسلامية".[4]

هذا يعكس التوتر في الأدبيات، فبينما هناك تركيز على النساء والدين، يشكل هذا التركيز إشكالية لأنه يعيد إنتاج الدين بصفته أبويًا بالوراثة والنساء بصفتهن يفتقرن إلى الإستقلالية فيما يتعلق بالدين. وهذا كان الحال خصوصًا في الدراسات حول "المرأة والإسلام" التي نمت بشكل متسارع منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011. أريد أن أركز في هذه الورقة على "العمى" النسوي الذي تذكره فيولا، وأحاول أن أفصّل الأسباب المختلفة خلف إهمال تيار النسوية الغربية السائد لجمهور النساء المتدينات.

تحديد معالم النسوية

"حدود النسوية جلية في البناء (المتفق عليه ضمنيًا) لأولويات الموضوعات التي تدور حول كل ما يبدو أن تهتم به النساء".[5]

ومن النقاط المهمة الأساسية الخاصة بالتيار الرئيس للنسوية الغربية العلمنة. يرجع ذلك إلى أنها ترتبط عضويًا بعصر التنوير الأوروبي.[6] وهكذا فإن العقلانية والتركيز على الحقوق المدنية تعد مسألة مركزية.[7] وقد انتقلت النظرية النقدية إلى ما بعد الإنسانية العلمانية (وهي كذلك من إنتاج عصر التنوير) من خلال إبراز المأساة الاستعمارية (إدوارد سعيد)، وانتقاد الإنسانية الأوروبية (ميشيل فوكو)، وتفكيك المركز (جاك دريدا). وعملت هذه النظريات على إزالة مركزية أوروبا ووجهت سؤالًا نقديًا إلى خطاب التنوير ومركزية العلمانية. وعلى نحو مهم أشار العلمانيون إلى ميراث علمانية "اليهودية المسيحية" (وهو نفسه بناءً إشكاليًا) إذ يؤكد على أن الدور السلبي للدين ما يزال يسود العلاقة.[8] يخدم ذلك أيضًا بنية الإسلام (بوصفها معارضة لليهودية المسيحية) باعتبارها خارج الحداثة، ولم تظهر على نحو واضح العلمنة من خلال النسوية ونسويات ما بعد الاستعمار والنسويات السود وفي الواقع فإن الدين وبخاصة جانبه الروحي ظل يحتل مكانًا مركزيًا في رؤيتهم العالمية وفي أعمالهم،[9] فيما يناقض بشدة التيار الرئيس للنسوية.[10] واليوم فإن التيار الرئيس للنسوية الغربية تطور عما كان عليه في بداية القرن العشرين أولًا وعن الموجة الثانية للحركات النسوية في أوروبا وأمريكا. وبينما أدمجت فيه خبرات متنوعة على نحو أوسع ونظرات تحليلية، فما يزال ثمة شك أن العديد من افتراضاته قد تغيرت قليلًا بمرور الوقت. وعلاوة على ذلك فإنها كنظام أكاديمي ما تزال متأثرة بقوة بكل من الحداثة عمومًا والفلسفة الوضعية خصوصًا، وهكذا -كما هو متوقع- أعيد إنتاج اشكالية الموضوعية في البحث والحقائق العالمية. كما يضمن ميراث الموجة الأولى من المثاليات النسوية مفهومًا جوهرانيًا عن النساء يقع على هامش تجاربهن بما في ذلك النساء المتدينات.

وكانت شاندرا موهانتي قد كتبت عن المنتج الخاص " بامرأة العالم الثالث" بصورة موسعة وإن كانت تفتقد الترابط، ووثقت الطريقة التي عالجت من خلالها الدراسات الأكاديمية المرأة في العالم الثالث من خلال فئات التحليل النسوي المستخدمة في الغرب. وكما كتبت موهانتي فإن مصطلح النسوية الغربية واسع وهو يتفق على نحو ما مع المفهوم الذي شكلته الحركات المتنوعة. وبالرغم من ذلك فهناك نسق ما من المعرفة له فروض بعينها تميزه عن مقاربة عامة غيرها يمكن أن يطلق عليه النسوية الغربية، ::"وبوضوح فإن الخطاب النسوي الغربي والممارسة السياسية له ليست أحادية ولا منسجمة في أهدافها، ولا مصالحها ولا تحليلاتها. ولكن من الممكن تتبع ترابط النتائج الناشئة عن الفرض الضمني بأن "الغرب" (بكل تعقيداته وتناقضاته هو المشار إليه في المقام الأول في النظرية والتطبيقات العملية، ولا أعني بأي حال من إشارتي إلى "النسوية الغربية" التلميح بكونها كتلة صماء، بل إنني أحاول أن ألفت الإنتباه إلى النتائج المتشابهة للإستراتيجيات النصية المختلفة التي استخدمها كتاب بعينهم رمزوا إلى الآخرين باعتبارهم غير غربيين ومن ثم فإنهم يعتبرون أنفسهم (ضمنيًا) غربيين"[11]

والفروض الأساسية التي تميز ما يمكن أن يطلق عليه "نسوية غربية" تشمل: التنظير للمرأة باعتبارها فئة تحليلية غير إشكالية تفترض أن النساء كتلة متجانسة وأن لديهم نفس الخبرات والاحتياجات، وهو ما يقضي بتأسيس مفهوم نسوي "شامل" يمحو علاقات القوة بين النساء؛ ونتيجة ذلك أن البحث الأكاديمي يستخدم لكي يثبت شمولية خبرات النساء؛ ويجري التأسيس لنسوية العالم الثالث باعتيارها مفهومًا معارضًا للنسوية الغربية: بعبارة أخرى نسوة مقيدات وضحايا وفقراء مهمشات في مقابل نساء غربيات متعلمات وعصريات وأحرار في صنع اختيارتهن.[12] وبذلك "توصف النساء بأنهن جماعة واحدة باعتبار اشتراكهن في الخضوع للقهر".[13]

وعلى نحو مهم فقد أشارت موهانتي إلى أن الممارسات البحثية النسوية متصلة تمامًا بعلاقات السلطة لأنه لا يوجد منح دراسية غير سياسية.[14] فالإنتاج المعرفي من جانب النسويات الغربيات يهيمن على "تنوع الأجناس المادي والتاريخي" في حياة نساء العالم الثالث على نحو مطرد، وبذلك ينشأ الإنتاج الأحادي "لنساء العالم الثالث".[15] يحدث هذا الإنتاج المعرفي من خلال نظام عالمي شكلته علاقات السلطة كما يشير لذلك أنور عبد الملك:

"الاستعمار الإمبريالي المعاصر استعمار إمبريالي مهيمن يمارس إلى أقصى درجة عنفًا مصطبغًا بالصبغة العقلانية ويمده بالنار والسيف وأيضًا بمحاولته التحكم في القلوب والعقول. لأن ما يحدد محتواه هو الفعل المشترك لشبكة الصناعات الحربية والمراكز الثقافية الغربية التي قامت كلها على أساس مستويات التنمية المتقدمة التي أحرزها الاحتكار ورأس المال المالي"[16]

ومن ثم، فإن النسويات الغربيات تتواجدن ضمن إطار عالمي. وبعبارة أخرى فإن الطريقة الذي تأسس بها "العالم الثالث" تشكل سياقًا لأي دراسة بحثية عن المرأة فيما يسمى بالعالم الثالث.[17] ونقص الوعي بذلك فضلًا عن نقص التفكير التأملي الذاتي أدى إلى أن الباحثين داخل هذا الحقل عادةً ما يعيدوا إنتاج الأفكار الاستعمارية في أعمالهم عن المرأة في سياق غير غربي أو همشوا النساء داخل السياقات الغربية نفسها.

والنسويات الأمريكيات السود هن أول من زعم أن التيار النسوي الرئيس لا يمثل ولا يستطيع أن يمثل خبراتهن لمجرد أنه يضع في اعتباره النوع باعتباره المتغير الأهم وهو بذلك يضع المرأة باعتبارها فئة أحادية بديهية. وأكدوا أن واقعهم أعقد من ذلك بكثير: فهم وإن كانوا نساء إلا إنهم سود أيضًا فقيرات / ثريات، من ساكني الحضر / من ساكني الريف، مثقفات / غير مثقفات وهكذا.[18] وتمتزج كل تلك الجوانب المختلفة لهوياتهن لكي تشكل واقع حياتهن. في البداية، نشأت فكرة "القهر الثلاثي" التي أكدت أن النساء السود يعانين من ثلاثة أنواع من القهر: قهر طبقي وعنصري وقهر النوع.[19] وفيما بعد أصبح ذلك هو الثالوث المقدس للدراسات النسوية: العنصر - النوع - الطبقة. وأضيف إلى تلك التقاطعية فيما بعد هويات أخرى مثل الميول الجنسية، الإعاقة، وغير ذلك. أسفر ذلك عن تفكيك فكرة المرأة العالمية، ودفع إلى الصدارة الفكرة القائلة بأن ’’المرأة‘‘ فكرة تتنازعها تجارب وخبرات ذاتية متنوعة إلى حد كبير.[20] لهذا السبب يصبح الحديث عن ’’نسوية عالمية‘‘ و ’’إمرأة عالمية‘‘ أمرًا إشكاليًا.

وقد صارت تلك التقاطعية فيما بعد منتشرة بين باحثي النسوية الذين يبحثون من منظور ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية. ما فعله السود، والسحاقيات (والكويريات فيما بعد)، والنسويات الماركسيات، هو التعامل مع ’’أكثر الاهتمامات النظرية والمعيارية في الدراسات النسوية: أي الاعتراف بالاختلافات بين النساء. يرجع ذلك إلى أنها تمس أكثر مشكلة ملحة تواجه النسوية المعاصرة: الإرث الطويل المؤلم للإقصاء. ذلك الإرث من الإقصاء يظهر بوضوح عند باحثين مثل كيمبرلي كرينشو التي أشارت إلى أن النظرية النسوية تظل بيضاء ومن ثم فإن قدرتها على أن تشمل النساء من غير ذوات الحظوة غير متحققة.[21]

تتشابه البنية الخطابية لنساء العالم الثالث بوصفها متجانسة وليس لديها سلطات مع بنية النساء المتدينات بسبب أنهن يقعن تحت قمع يتم على نحو منتظم وآلي أو يعانين من وعي زائف. وبذلك يتم إنتاج النساء المتدينات باعتبارهن كتلة متجانسة لا تستطيع أن ترى الإرث الأبوي في الدين ولن تراه. وعندما نأتي للنساء المسلمات فإن الأمر يتسع بسبب البنية السائدة لنساء العالم الثالث (التي من المفترض أن النساء المسلمات تنتمين إليها) باعتبارهن مقهورات وضحايا. وتلبي هذه البنية الحاجة إلى إخفاء خصوصية واقع حياة المرأة وبدلًا من ذلك يركز النقاش على الوعي الزائف.

الفاعلية والاستقلالية والذاتية

يكشف تأطير النقاش حول الدين فيما يتصل "بالخيارات" التي اتخذتها المرأة أو أرغمت عليها عن أنطولوجيا ليبرالية حيث الفاعلية -الممارسة الحرة للسلوك- تصبح علامة على انعتاق المرأة. وبالمثل فإن تأطير النقاش حول "الحقوق" التي منحها الدين للمرأة أو الحقوق التي سلبها منها الدين تكشف كذلك عن أنطولوجيا ليبرالية. وبعبارة أخرى فإن الجدال بشأن ما إذا كان الدين أبويًا على أساس أنواع "الحقوق" الممنوحة للنساء قد أعادت إنتاج مقاربة نسوية يضع فرضية فردانية وهي التي تعد جانبًا رئيسًا في السردية العلمانية التي تشكل جوهر الدراسة النسوية اليوم، وهو ما سأناقشه أدناه. وفكرة الوجود الأعلى الذي يتخطى الفرد تعد بالفعل انتهاكًا للعلمانية وللرؤية العالمية الليبرالية حيث يكون الإستقلالية الفردية مركزية.

ويرتبط بمسألة الفاعلية الاستقلالية، والذي يعرف بأنه ممارسة الاختيار وتلبية التفضيلات الفردية والقدرة على الحكم الذاتي الرشيد.[22] وتعرف الفاعلية والاستقلالية فيما يتعلق بالقوى الداخلية التي تحاول كبت الفردية وخلق علاقات اعتمادية. وكما أشارت فيليس ماك، فإن النسوية أمضت وقتًًًًًًًا طويلًا في مناقشة الفاعلية بينما اتخذت فروضا بعينها تضمنها المفهوم باعتبارها أمور مقطوع بها. وينبع هذا التركيز على الفاعلية والاستقلالية من ما فوق سردية العلمنة.[23]

ووفقًا لهذه السردية، فإن النساء المتدينات ينظر إليهم على أنهم لا يمتلكون أي فاعلية، على عكس المجتمع العلماني، "الذي يضع السلطة الدينية وممارستها خارج مجال السياسات وخارج نطاق السوق ويسمح بمجالات السلوك الحر والمستقل".[24] ويتصل بذلك الوجود الإشكالي لثنائية ما هو علماني وما هو روحي. نشأ ذلك بصفة خاصة بسبب الافتراضات الخاصة بالحداثة والتقدم التي تقرر أن الأفراد ينتقلون من حالة التدين إلى حالة العلمنة، مما يصور تقدمًا خطيًا في الزمان. ولا يؤدي ذلك فقط إلى خلق ثنائية بين ما هو علماني وما هو روحي، بل يتجاهل واقع أن عديد من الحركات الدينية حديثة تمامًا.

ويرجع التوتر الأساسي للنقاشات حول الفاعلية والدين إلى التصوير الشامل للدين بأنه قمعي وهو ما يثير قضية الذاتية المتصلة بذلك. وأشار الباحثون إلى أن العديد من النساء اخترن بإرادتهن الخضوع لسلطة أعلى ولم يفسر ذلك على أنه شكل من أشكال القمع. وفي دراسة ماك عن نساء الكويكر، أشارت إلى محاولات النساء استبدال الأعراف الاجتماعية نشأت من موقف الطاعة لا من موقف الإرادة. وتردد صدى ذلك في دراسة صبا محمود عن المرأة المسلمة في القاهرة التي تحدت بالفعل الأعراف الاجتماعية باعتبار ذلك عمل من أعمال طاعة لله. ومع ذلك فإن الطاعة كانت لسلطة علوية وليس لنظام ذكوري أو أبوي. علاوة على ذلك، تصوَّر هذه الطاعة على أنها طوعية: فالممارسات التأدبية للمتدينين يمكن أن تُظهر في كثير من الأحيان كيف يصبح المرء خاضعاً لعلاقات السلطة، ولكنها أيضاً يخلق فضاءً داخل تلك العلاقات لممارسة الفاعلية،[25] وهو مفهوم ناقشه فوكو بالقول إن نفس الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الهدم يمكن أيضا أن تؤدي إلى المقاومة أو التجاوز.[26]

وقد عمل كتاب آخرون على مفهوم فاعلية واستقلال المرأة المسلمة عبر التركيز على عمليات إعادة تفسير النصوص الإسلامية ووضعها في سياقها. وناقشت أسماء برلاس قضايا المعرفة الدينية والسلطة الدينية لتبين الطريقة التي قرأ بها الأبويون القرآن وذكرت أن القرآن يدعم المساواة الكاملة للنوع الاجتماعي.[27] وحاولت أعمال جوديث تاكر فهم الطريقة التي فسر بها علماء المسلمين القضايا المرتبطة بالأحكام الخاصة بالمرأة والنوع في ذلك الحين. وناقشت تاكر أن الشريعة الإسلامية أكثر سلاسة ومرونة مما يفترض في كثير من الأحيان، وأن رعاية النساء واحتياجاتهن كثيرًا ما أثرت في فتاوى العلماء.[28] ويستكشف كتاب كيسيا على، الأخلاق الجنسية في الإسلام، ما يجعل الفعل أو المعتقد أخلاقيًا في نظر الله. وتطرقت كيسيا إلى موضوعات حساسة للغاية واستعانت بالقرآن والحديث والفقه للإجابة على أسئلة عنى بها الرجال طويلًا.[29]

وبالرغم من أن كل أولئك الكاتبات لم يعتبرن أنفسهن نسويات إسلاميات، فإن أعمالهن تعد أعمال رئيسة تتحدى سلطة الذكور وامتيازاتهم في التفسيرات الخاصة بالإسلام، وتعيد التركيز على استقلالية المرأة. وتؤكد تاكر أن احتياجات المرأة وشواغلها غالبا ما كان له موضع في الشريعة الإسلامية، وتؤكد برلاس أن النظم الأبوية فرضت على قراءة القرآن وشوهت النصوص، وتبين على أن القراءة الأكثر تعمقًا للمصادر الإسلامية تكشف عن تفسيرات مختلفة للغاية للآيات الرئيسة. وبذلك ساهموا جميعهم في دراسات انصب جوهرها على الفاعلية النسوية، كما فعل العديد من الباحثين الآخرين الذين يعملون على دراسات النوع الاجتماعي والإسلام.[30]

وقد درس النوع الاجتماعي في داخل الحركات الإسلامية. فقد كتبت كل من نيلوفر جول وباربرا بوش عن ظاهرة النسوية التي ركزت عليها النساء داخل الحركات الإسلامية في تركيا، وأكدت أن الهياكل داخل الإسلام والتي تولد عنها عدم المساواة في النوع الاجتماعي تجعل أولئك النساء يتساءلون حول قضايا النوع في الإسلام (لأنهن يرفضن ترك الإسلام).[31] واستطردت جول قائلة أننا نستطيع أن نتحدث عن مرحلة ما بعد الإسلاميين حيث فقد الإسلام السياسي أهميته لكنه تغلغل في نفس الوقت في الحياة الاجتماعية والثقافية؛ وذلك هو الفضاء التي تنمو فيها النسوية الإسلامية.[32]

وبرغم ذلك فإن النساء اللواتي يعملن داخل الحركة الإسلامية أو يعملن على التفسيرات غالبًا ما يؤثرن في إعادة إنتاج أعرافًا أبوية إلى حد كبير. وقد أشارت صبا محمود إلى أن النساء التي عملت معهن في القاهرة -جزء من "حركة الإحياء الإسلامي"- اخترن أن يكن جزءًا من هياكل ترى أن المرأة غير مساوية للرجل. ويثير ذلك تساؤلات مهمة حول الخيار النسوي، الذي أتي ليوجه انتقادات للتيار الغربي النسوي الرئيس. فتصوير النسوية باعتبارها ’’حرية اختيار‘‘ لا يعيد إنتاج فكرة الفاعلية (مرة أخرى) باعتبارها فكرة محورية في النسوية، بل يثير تساؤلات حول ما يجب عمله إذا ما اختارت النساء الانخراط في هياكل تنظر إلى الرجل باعتباره متفوقًا وبذلك تعيد إنتاج أشكال من عدم المساواة في النوع الاجتماعي. وما هو أهم من ذلك، أن جدال كهذا يفترض وجود ’’خيارات‘‘ يمكنها أن تمارس عملها خارج علاقات السلطة. والخيارات لم تكن ’’حرة‘‘ أبدًا بحال من الأحوال لأنها لا تمارس خارج هياكل السلطة أو النظم والمثل المهيمنة. ومع ذلك، فمن الواضح أن ’’خيارات‘‘ بعينها صنفت باعتبارها مناصرة للانعتاق النسوي بينما صنفت أخرى باعتبارها قمعية.

والطريقة الوحيدة للمصالحة بين الفاعلية والدين[33] هي إعادة النظر في مفهوم الفاعلية نفسها. فالنساء اللواتي يستخدمن الدين لاستبدال أعراف اجتماعية يظهرن قدرة على الفعل ويؤكدن على المفهوم التي استخدمته جوديث باتلر وآخرين.[34] ومن هذا المنظور فإنه يمكن أن توجد الفاعلية والاستقلالية في ظل وجود تحديات للسلطة. وبذلك فإن محاولة المتدينات تحدي الأعراف الاجتماعية تعكس عملًا من أعمال الفاعلية، ولا تعد تمردًا. وعلى أية حال فإن إعادة النظر في مفهوم الفاعلية هذا ما يزال يعيد إنتاج مركزية الفاعلية في تلك المناقشات، وتبقى الفاعلية مفهومًا لبيراليًا قويًا. وقد حاولت محمود تجاوز كل من الانعتاقية والفاعلية لأنهما ما يزالا ينتجان انتعاقية غائية تصور النساء على إنهن إما مناضلات أو مقاومات أو مخربات لكنهن لسن ناشطات بأي حال.

الاختيار وهيمنة الدين وإعادة تفسير النصوص

وإحدى القضايا التي تنشأ عن المناقشات المذكورة أعلاه هي ما يتعلق بالاختيار: وببساطة من الذي يحدد الاختيارات التي تقع ضمن معايير النسوية وتلك التي لا تقع ضمنها؟ ومع ذلك فإنه بمجرد أن يقبل المرء أن التنشئة الاجتماعية تؤسس الاختيارات المتاحة والمقبولة، وكذلك تحدد ما هو انعتاقي وما هو قمعي، فإن ذلك يستتبع أن كل ذلك يمكن تفكيكه، وبخاصة فيما يتعلق بتفكيك علاقات القوة التي ترتبط بها. وهذا ما يجعل مسألة الإختيارات معقدة وكذلك تعريفها.

وتحديد الملامح العامة لما هو نسوي وما هو غير نسوي (أو ما هو أبوي وما هو غير ذلك)، غالبًا ما تؤدي إلى حدوث عملية ذات خصائص جوهرانية ومتجانسة. تلك العمليات من تمثل الثقافات بكاملها باعتبارها متجانسة وساكنة وجوهرانية تعد أحد الخصائص الكلاسيكية للاستشراق، وهي تعيد إنتاج الكثير من أدبيات التيار الرئيس النسوي الغربي حول الدين، ولا سيما ما يتعلق بالدين الإسلامي. والإفتراض الضمني أو الصريح بأن ’’الإسلام أبويًا‘‘ لا يفترض وجود ’’الإسلام‘‘ فحسب بل يعرفه مسبقًا بأنه أبويًا- ولكن من وضع هذا التعريف؟ العديد من المناقشات التي تدور حول النظام الأبوي والدين تفترض طبعة جوهرانية للإسلام وهي ببساطة ليست موجودة في واقع حياة النساء المسلمات. وفور تفاعل النص مع قارئه أو المستمع إليه تكون النتيجة تفسير يختلف عن التفسيرات الأخرى. في حين أن حدود التفسير قد تكون محددة إلى حد ما بإجماع العلماء - من بين مصادر السلطة الأخرى - فإن المحتوى نفسه لا يمكن أن يقال إنه يشكل "إسلام" متجانس يمكن وصفه بأنه أبوي.

وفي حين أن الأوساط الأكاديمية هي مجرد جزء من مشكلة تصوير المرأة المسلمة بوصفها تقع تحت قهر ديني (الناشطات النسويات يفعلن نفس الشيء غالبًا)، فإنه من الملاحظ أن الأكاديميات النسويات يواجهن كذلك مشكلات في الإقتراب من المرأة المتدينة من منظور لا يقلل من شأن فاعليتها. وتعلق صبا محمود على الطريقة التي تعاملت بها النسوية تاريخيًا، على سبيل المثال، مع النساء داخل مؤسسات دينية بوصفها تحتاج إلى تقويم أو تحديث.[35] وتقترح ديبش شاكرابارتي أن هناك احتياج إلى شكل من أشكال التاريخ التي تتخلى عن نظرية المعرفة العلمانية عبر ::"الإحالة إلى دعاوى وجود إرادة إلهية واضحة وقابلة للتصديق. ويسمح ذلك لمؤرخ أكاديمي يشتبك على نحو بناء مع المصطلحات السائدة في فرع التاريخ العلماني وأن يكشف العنف الذي مارسته هذه السردية ضد عالم الحياة والخيالات التي لا يمكن أن يحتويها إطار علماني".[36]

ولطالما لعب الإسلام دورًا مركزيًا في النقاشات النسوية، وتم تعريفه دومًا على أنه خارج المعايير التي وضعها التيار النسوي الغربي الرئيس وبذلك فهو أبوي بطبيعته. وذلك لا ينفي في الواقع، وعلى أية حال، أنه بالنسبة للعديد من النساء فإن الإسلام يشكل جانبًا مركزيًا في حياتهن وخبراتهن المعاشة. وفي حين أن الدين نفسه مصطلح متنازع عليه بشدة، فإنه ما من شك أنه بالنسبة للعديد من الناس يوفر إطارًا روحيًا للنظر للعالم وإدراكه. وتمثل تلك الروحانية نقطة تضاد في عالم يعلي قيمة العقلانية فوق جميع أنظمة المعنى الأخرى - وهو تعبير عن ما فوق سردية عملية العلمنة.

تؤسس النسوية الإسلامية لمجال يمكن تعريفه على نطاق واسع بوصفه محاولة لممارسة سلطة إنتاج المعرفة وصناعة المعنى من خلال الإسلام. وقد ازدهرت هذه الحركة في أماكن عدة، لا سيما في إيران،[37] والمغرب،[38] والولايات المتحدة.[39] ويحاول الباحثون من خلال هذا الحقل تفكيك التفسيرات الكارهة للنساء في الإسلام من خلال مناهج تفسير متنوعة. وتحظى فاطمة المرنيسي خصوصًا بأهمية في هذه العملية لأنها أكدت أن العديد من الأحاديث المشهورة التي استخدمت لمساندة عدم المساواة في النوع الاجتماعي عارية من الصحة تمامًا. والمهم في ذلك، أنها تستخدم في تلك المحاجاة طرقًا منهجية إسلامية -وهي نفس الطرق يستخدمها الرجال الذين يروجون باستمرار لنفس تلك الأحاديث.[40]

وتؤسس النصوص الدينية لساحة المعارك الرئيسة التي تدور فوقها العديد من تلك المساجلات، حيث تأسست تلك النصوص إما على أبوية موروثة أو أنها تضع مفاهيم تحتاج لإعادة تفسير تسمح بقراءات نسوية. ويميل التركيز على أن التفسيرات الأبوية للقرآن والحديث تضع جل الإهتمام على الرجال بوصفهم سلطات تفسيرية وتتجاهل الحركات التي تدعو إلى تضمين القراءات النسوية لهذه النصوص. ويدور السجال حول أن الدين أبوي دون أخذ التفسير في الاعتبار، على الرغم من أن كل عمل من أجل الفهم هو عمل من أعمال التفسير. وقد أثارت المرأة المسلمة التي تكتب عن النسوية والإسلام أسئلة بشأن احتكار التفسير. وقد كتبت رفعت حسان: ::"حمل الرجال على عاتقهم مهمة تحديد الوضع الأنطولوجي، والنظري، والاجتماعي والأخروي للمرأة المسلمة."[41] وقد أثارت رفعت حسان نقطة مهمة تتعلق أنه طالما تم تحديد وضع المرأة لاهوتيًا بأنها في درجة أدنى فإن معركة الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لن تتقدم على نحو جيد. فالبنسبة للمؤمنين، فإن التعريف اللاهوتي للمساواة بين البشر والمساواة بين الرجل والمرأة له نفس أهمية الجوانب الأخرى للمساواة في النوع الاجتماعي.[42] وأكدت رفعت حسان أنه بالرجوع للقرآن سيتاح لنا ظهور مساواة دينية بين الرجال والنساء المسلمات. ولذلك فإننا نرى أنه حتى النسويات المسلمات استخدمن النصوص الدينية كأساس لحجتهم حول الأبوية والإسلام. وبعبارة أخرى فإن القرآن أزليًا وبالتالي فإن العودة إليه ستجعل صورة الإسلام غير أبوية، ولكن ذلك لن يتم إلا إذا كانت هذه العودة تستند إلى ممارسات تفسيرية مختلفة. ومن المفيد الإشارة إلى أنه ليس من المهم أن تعيد النساء تفسير النصوص لأن النساء يمكن أن تعيد إنتاج نفس التفسيرات الأبوية. والأحرى أن يدور السؤال حول المقاربات التي تستخدمها النساء ويستخدمها الرجال في التفسير. ويفضل العديد من الباحثين الذين يركزون على موضوع النسوية والإسلام التأريخ كمقاربة رئيسة في إعادة التفسير، إذ أنه يضع ممارسات بعينها في سياقها مما يجعلها غير قابلة للتطبيق في يومنا هذا.

وفي حين أن بعض الباحثين في النسوية ينخرطون في عملية إعادة التفسير تلك ثم يرفضونها لعدم صلاحيتها لخلق إطار جديد للفهم،[43] فإن باحثين آخرين يمتنعون ببساطة عن المشاركة في ذلك. وهذا القصور في المشاركة هو ما يثير الإشكالية، ويجعل محاولات المسلمين لإعادة تفسير الإسلام دليل إضافي على الوعي الخاطئ. وهذا الموقف المتناقض يأتي من حركات تدعي أنها تأخذ النساء وتجاربهن مأخذ الجد.

يلعب في هذا المجال فرضان. الأول أن المرأة سلبية على الدوام، وعندما تكون غير ذلك في مواقف نادرة، فإنها تقاوم. وبذلك فإن محاولات إعادة تفسير النصوص الدينية ستقع دائمًا في إحدي هاتين الروايتين. يخلق ذلك رؤية ثنائية للفعل يصعب التغلب عليها. ويضع المرأة في نطاقي عمل منفصلين يعملان على تحديد الفعل الذي ستتخذه أولئك النساء. ففي الواقع، إذا كن سلبيات ومتجاوبات فإنهن مقهورات؛ وحيثما كن مقاومات -على الرغم من النظر إلى ذلك بوصفه عمل أكثر ’استقلالًا‘- فهن ما يزلن يستجبن أو يتفاعلن مع جمهور وسردية بعينها. وبعبارة أخرى فهن رجعيات. من اللاتي يقاومن؟ من اللاتي يبرهن على ذلك؟ ببساطة تلك علاقة أخرى من علاقات السلطة، حين تؤسس النساء لنظام يزعمن أنه تجري مقاومته من خلال مقاومتهن. والافتراض الثاني هو أن الدين والنصوص الدينية ينظر إليها على أنها مجالات للرجال: وبذلك فإن كثير من خطابات التيار النسوي الرئيسة تجسد النقطة الواضحة التي تسعى النسويات الإسلاميات لدحضها: ألا وهي أن النصوص الدينية تخص الرجال.

وفي ختام ذلك القسم، أود أن أركز على النقطة الأساسية في انتقادي هو ذلك القرار الذي اتخذه قطاع يضم العديد من النسويات بعدم الاشتباك مع الباحثين الذين يحاولون تمثيل الدين على أنه ببساطة أكثر من مجرد أبوية موروثة. ويمكن النظر إلى المشروع النسوي الإسلامي على أنه محاولة مهمة لتحدي إنتاج المعرفة والمعنى الذي يصنعها داخل فضاء محدد. وقد هيمنت التفسيرات التقليدية للذكور على مدى قرون، وبالتالي تمكنت من بناء "المثل الإسلامية" التي رسمت حدود لما تكون عليه الأنوثة الإسلامية. إن مجرد إعادة التفسير تمثل تحديًا لذلك، وتؤسس لمحاولة تصور واقع مختلف وبنائه، وهو ما يعد فعليًا ممارسة للسلطة.

“إن النقد النسوي للدين الذي يؤكد على تقويض الشرعية الدينية لممارسات سياسية وثقافية بعينها؛ يحلل تحليلًا نقديًا هياكل السلطة في المجتمعات المتدينة؛ ويذكرنا بأنه لا توجد مسيحية أو إسلام ولكن أشكال وتفسيرات مختلفة؛ وأن الدور المحدد للدين في المجتمع ينبغي أن تكون موضعًا للتساؤل."[44]

أريد في القسم التالي أن أقترح مخرجًا لهذا المأزق ألا وهو التركيز بدرجة أقل على الأفكار الأساسية للنسوية والدين، والاهتمام أكثر بحقائق حياة النساء المتدينات. فمن خلال التركيز على تجاربهن يمكن أن تبتعد النسوية عن إشكالية التعريف (التي هي دائمًا امتداد لعملية استبعاد) وأن تحاول استكشاف خيار النسويات المتعددة. والتقاطعية هي إحدى طرق تنظير تلك الخطوة.

التقاطعية وحدودها

تعد نظرية التقاطعية مقاربة حديثة نسبيًا لإجراء دراسات في العلوم الاجتماعية. في البداية اشتقت مفهوم اللون في النسوية، وهي حاليًا تتبنى فروعًا معرفية أخرى مثل علم الاجتماع ودراسات الأجناس والدراسات الإثنوجرافية. ويعتبر السياق الذي نشأت فيه التقاطعية شديد الأهمية عند محاولة فهم النظرية نفسها. فما إن انتشرت الموجة النسوية الأولى في أمريكا وأوروبا حتى بدأت الانتقادات تظهر من نساء شعرن أنهن مستبعدات من الخطاب الذي استخدمته الموجة الأولى من النسويات. علاوة على ذلك، فإن الإدعاء بتمثيل النساء عالميًا مثل إشكالًا للنساء اللاتي شعرن أن تجاربهن تختلف للغاية عن تجارب النساء البيض الغربيات من الطبقة الوسطى واللاتي شكلن الموجة النسوية الأولى على نطاق واسع.

من وجهة نظر نظرية المعرفة، فإن التقاطعية تقع في مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية واللتين وجهتا انتقادات قوية للحداثة وللوضعية. ينظر للحداثة أنها "سردية متعجرفة وقصة عالمية تدعي التفوق على كل القصص الأخرى التي تتحدث عن معنى أن تكون إنسانًا - قصة قادرة على تقييم كل القصص الأخرى."[45] وتؤكد ما بعد الحداثة أنه يجب رفض السردية الكبرى ويجب أن تكون وجهات النظر المتعددة جزءًا من أي مشروع بحثي. وكما أسلفنا، فإن السرديات الكبيرة والاتجاهات العالمية والافتراض أن الباحث يمكن أن يكون موضوعي تعتبر كلها جوانب مهمة في التيار النسوي الغربي الرئيس. وتثمن ما بعد البنيوية الحكم الصادر من أسفل وترفض الهياكل التي تخفي ممارسة السلطة من أعلى.[46]

وقد نشأت التقاطعية كاستجابة مباشرة للطبيعة الاستبعادية للتيار النسوي الرئيس. وبذلك فإن إنجازه الرئيس هو دمج مزيد من مختلف الخبرات والوقائع الحياتية والهويات، وكذلك أن يصبح أكثر إدراكًا للطريقة التي تمارس بها السلطة وظائفها لكي يتم استبعادها أو تضمينها. وقد مارست التقاطعية وظيفتها بوصفها منهجية أكثر تعقيدًا حيث ينظر إلى مصادر القمع المختلفة في وقت واحد، ويفهم تأثير الأشياء على بعضها البعض بطرق معقدة للغاية.

وإلى جانب النسويات السود، هناك جماعات أخرى من النسويات مثل الماركسيات والسحاقيات ونسويات ما بعد الاستعمار اللاتي قمن أيضًا بتحليل العلاقات بين نظم القمع المختلفة (مثل الرأسمالية والجنسانية والقومية) والنوع الاجتماعي. وعلى سبيل المثال فإن النسويات الأوروبيات ونسويات ما بعد الاستعمار قمن بذلك من خلال تطوير نظرية استشرافية نسوية.[47] وتؤكد النظرية الاستشرافية أن الدراسة يجب أن تجري من منظور المهمشين، حيث أن نظرتهم للمجتمع أكثر شمولًا. لذلك يجب أن تصبح خبرات النساء هي الأساس للمعرفة النسوية.[48] ومصطلح التقاطعية نفسه صكته كيمبرلي كرينشو الباحثة القانونية الأفرو أمريكية وقد صار جزءًا من فرع الدراسات العرقية النقدية في الثمانينات، الذي يهدف إلى تفكيك الموضوعية والحياد المزعومين للقانون.[49]

أرادت كرينشو أن توضح أن طريقة الإطار أحادي المحور الذي تستخدمه النسويات في الغالب يجب استبداله بالتقاطعية، التي يمكن أن توضح على نحو أفضل الطرق التي يتفاعل بها العرق والنوع الاجتماعي.[50] وفي الواقع فإن التقاطعية تمثل وسيلة النظر إلى طبقات متعددة الهويات كي تحلل طريقة تفاعل بعضها مع البعض الآخر. ومسألة السلطة إحدى المسائل المتكررة، باعتبارها نقد لفكرة أن النوع الاجتماعي يحظى بأفضلية في التحليل النسوي.

ومن ثم فإن التقاطعية تسمح بتحليل معقد لتجارب الناس الحياتية التي لا تأخذ في اعتبارها التهميش بأنواعه فقط ولكن تحلل طرق تقاطع التهميش ومواضعها من أجل خلق مواقف فريدة. وهي عملية بحث معقدة تعالج من خلالها الطريقة التي تتقاطع بها المواضع المتعددة مع بعضها البعض. وعلى نحو مهم، فإنها تمثل أفكارًا نظرية سلسة تتسع باستمرار. ومع ازدياد اشتباك الباحثين معها يزداد ظهور التقاطعات. ونموذج الذكورية مفسر لطريقة انتقال التقاطعية من الفئات الكلاسيكية العرق / النوع / الطبقة وتبنيها للعديد من المواضع الأخرى التي غالبًا ما تعرضت للتجاهل مثل الذكورية والإعاقة والسن والجنسانية والعابرة للقومية وغير ذلك.

وفي حين أن هناك كثير من الدراسات التقاطعية منذ مقال كرينشو المؤسس الذي فتح المجال لها، فإن قليل من الدراسات أنجز في موضوع الدين والنسوية من منظور التقاطعية. فمن جانب، توجد مخاطرة أن تظل المقاربات التقاطعية تستنسخ الفروض الموجودة في معظم التيارات النسوية الرئيسة. ومن جانب فإنني أؤكد أن التقاطعية كمقاربة قادرة على التغلب على هذا التحيز. إن هدف التقاطعية الاستماع إلى أصوات النساء والرجال وفق شروطهم الخاصة، من أجل تجميع السرديات وتحليل التجارب التي يمكن أن تساعد في فهم الحياة الاجتماعية. وينصب التركيز بالتالي على أصوات أولئك الذين أستمع إليهم وليس على فئات دراسة محددة مسبقًا أو على فروض معدة سلفًا. يوفر هذا مساحة تستطيع المرأة المتدينة من خلالها أن تتحدث ولا يتم سجنها في سردية بعينها.

وتسمح الدراسة التقاطعية للخبرات الدينية أن تكون جزءًا من السردية، لأن أولئك المتحدثات يروون سرديتهن. وبعبارة أخرى، فإن السردية الشخصية مركزية وهذا يجعل الفاعل مركز القصة. ولا يعني ذلك أن الباحثين الذين يوظفون المقاربة التقاطعية لن تكون لديهم فروض مسبقة - كلنا نفعل ذلك. لكن التقاطعية تجبر الباحثين على مواجهة هذه الافتراضات بدلًا من إخفائها أو تبريرها.

وفي حين أن التقاطعية أدت لفتح المجال في الدراسات النسوية، فهناك العديد من أوجه النقد التي يجب إبرازها. وقد أبرزت الانتقادات الموجهة للتقاطعية عدة مسائل، تتراوح بين أن إبراز ’’المهمشين‘‘ يبدو استنساخًا لمعرفة تدعي العلم ’’بالآخر‘‘ وتمثيله والتي تصبح جزءًا من إنتاج صناعة المعرفة؛ إلى النقطة التي تشير إليها جوديث بتلر بأن ’إلخ‘ التي تأتي في نهاية قائمة الفئات الاجتماعية ترمز إلى "اعتراف مثقل بالإنهاك" وكذلك "عملية دلالة لاحدود لها".[51] ويمكن تجنب ذلك إلى حد ما باستخدام مفهوم "الصفات الرئيسة" والاعتراف بأنه في حالات معينة، تصبح تقسيمات اجتماعية معينة أكثر أهمية من غيرها.[52] وكيفما فعلنا ذلك فمن المهم أن نفهم أن الأوضاع المختلفة لها منطق مختلف وتعمل على مستويات مختلفة.[53] وهناك نقد على مستو آخر موجه للتقاطعية ولا يرى إشكالية في استخدام الفئات، ومن ثم فإنه يرى أن البشر يشكلون فئات و’’طبائع‘‘ متنوعة، وعندما تدرس معًا باستخدام المقاربة التقاطعية يمكن أن تكشف عن الإنسان موضع التساؤل.

"إن نقد التقاطعية الذي يتخذ من الفئة إشكالية أنطولوجية أو يقينية يعد مسرحًا لدخول موضوع أو موضوعات متسامية".[54]

ويمكن أن يؤدي الاعتماد على الفئات إلى تصوير التقاطعية على أنها موضوعية، حيث من المفترض أن تؤدي الفئة إلى معرفة "موثوق بها" حول تجارب النساء المهمشات.[55] وقد أكد باحثين مثل وولف أنه بدلًا من نأخذ الصفات باعتبارها أسماءً لأشياء، ينبغي بدلًا من ذلك أن نفهم أنها "حزم من العلاقات ونعيدها إلى المجال الذي جردت منه." [56] وأكد آخرون أن فئات غير ثابتة يمكن استبدالها بمؤشرات مؤسسة على حياة نساء بعينهن، ولا يجب النظر بتاتًا إلى التمثيلات على أنها توضح لنا ’’جوهر‘‘ الفرد.[57] وقد ردت كرينشو على تلك الانتقادات بالإشارة إلى أن تلك الصفات يمكن أن تكون في بعض الأحيان سببًا للتمكين، وأكدت أنه حتى إن كانت الصفات ذات منشأ اجتماعي، فإن ذلك لا يبطل تأثيراتها الحقيقية على حياة الناس.[58]

خاتمة

تؤسس ما فوق سردية عملية العلمنة للفرضيات الرئيسة للتيار النسوي الغربي الرئيس، وتفسر الصعوبات التي واجهها هذا المجال من أجل أن تنضم إليه النساء المتدينات بالإضافة إلى تناول فاعلية النساء المتدينات بشروط غير بسيطة. وبينما دفعت الانتقادات المنظومة النسوية إلى الأمام، فإنها ظلت غربية و علمانية إلى حد كبير. ويعني ذلك أنه عندما ظهرت حركات مثل النسوية الإسلامية فإن الاستجابة كانت إما بوصفها بأنها دليل آخر على الوعي الزائف، أو عدم الانخراط معها على الإطلاق. ويظل القلق الرئيس يكمن في عدم الرغبة في الانخراط مع النساء المتدينات وفقًا لشروطهن، بدلًا من وضع افتراضات أولية لأبوية دينية تعتمد تجانس الأديان.

ومن أجل معالجة تعقيد الدراسات النسوية، فإنه التركيز على التجارب الحياتية للنساء أنفسهن يمكن أن يكون وسيلة للمضي قدمًا. فالتركيز على التجارب الحياتية يجعل التقاطعية مقاربة مفيدة في دراسة نساء المنطقة. وتصوير الدين باعتباره موقفًا يمكن أن يثبت وجود طريقة مفيدة لإجراء الدراسات التي لا ترفض مسبقًا خبرات النساء المتدينات باعتبارها خبرات أبوية. واستخدام السرديات هو أحد المقاربات المنهجية التي يمكن استخدامها في إجراء تحليل تقاطعي. فالسرديات الشخصية تهدف وضع الموضوع في إطار شبكة كاملة من العلاقات تحدد مواقعها الاجتماعية، ولكن البعض أشار إلى أنه عادة ما يكون وضعها من منظور جزئي لجماعة إجتماعية بعينها يتم دراستها.[59]

يمكن للتقييم النقدي في المجال النسوي عمومًا الذي يقوم على التقاطعية أن يساعد في القضاء على النزعة الاستعمارية للمركزية الأوروبية المستمرة التي تعد داء هذا الحقل. وإلى أن يتم القضاء تمامًا على المزاعم التي تشكل الأبوية، فإن الحركة النسوية ستستمر في إعادة إنتاج الديناميات والتحليلات التي تستثني النساء اللواتي يعشن حقائق مختلفة.

هوامش:

  1. Cooey, Paula M., William R. Eakin, and John B. McDaniel. After Patriarchy: Feminist Transformations of the World Religions. Sri Satguru Publications, 1991: ix.
  2. Mack, Phyllis. “Religion, Feminism, and the Problem of Agency: Reflections on Eighteenth‐Century Quakerism.” Signs 29.1 (2003): 149-177
  3. Ibid: 150.
  4. Vuola, Elina. “God and the government: Women, religion, and reproduction in Nicaragua.” meeting of the Latin American Studies Association (LASA), Washington DC, September. 2001.
  5. Mohanty, Chandra Talpade. “Under Western eyes: Feminist scholarship and colonial discourses.” Feminist review 30 (1988): 61-88: 53. يرجى ملاحظة أن بحث شاندرا موهانتي قد ترجمته سهام سنية عبد السلام إلى العربية تحت عنوان وثيقة:عيون الغرب: الدراسات النسوية والخطابات الاستعمارية (ورقة بحثية)
  6. استخدم هنا تعريف روزي بريادوتي: العلمانية بمعنى عقيدة الفصل بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة بصورة رئيسة. ومن ثم يصبح المجال الخاص والعام منفصلين، حيث دائمًا ما يتم وضع ذاتية الفرد في المجال (السياسي) العام.
  7. Braidotti, Rosi. “In Spite of the Times The Postsecular Turn in Feminism.”Theory, culture & society 25.6 (2008): 1-24: 4.
  8. Ibid: 9.
  9. يمكن المجادلة على أية حال أن العلمانية مليئة بالميول الروحانية والافتراضات الميتافزيقية، غير أنه نادرًا ما تعترف النسويات العلمانيات بذلك.
  10. Ibid: 7.
  11. Ibid: 334.
  12. Ibid: 337.
  13. Ibid.
  14. Ibid:
  15. Ibid:
  16. Abdel-Malek, Anouar. Social Dialectics: Civilisations and social theory. Vol. 1. SUNY Press, 1981: 145.
  17. Spivak, Gayatri Chakravorty. “Three women’s texts and a critique of imperialism.” Critical Inquiry 12.1 (1985): 243-261: 243.
  18. Phoenix, Ann. (2006) ‘Editorial: Intersectionality,‘ European Journal of Women’s Studies 13(3): 187-192: 187.
  19. Yuval-Davis, Nira. (2006) ‘Intersectionality and Feminist Politics,’ European Journal of Women’s Studies 13(3): 193-209: 195.
  20. Nash, Jennifer C. “Re-thinking intersectionality.” Feminist review 89.1 (2008): 1-15: 3.
  21. Crenshaw in Lutz, Helma, Maria Teresa Herrera Vivar, and Linda Supik, eds. Framing intersectionality: Debates on a multi-faceted concept in gender studies. Ashgate Publishing, 2011: 33.
  22. Mack 2003: 151.
  23. Ibid: 153.
  24. Ibid.
  25. Mahmood, Saba. “Women’s agency within feminist historiography.” The Journal of Religion 84.4 (2004): 573-579: 575.
  26. Braidotti 2008: 15.
  27. Barlas, Asma. ” Believing Women” in Islam: Unreading Patriarchal Interpretations of the Qur’ān. University of Texas Press, 2002.
  28. Tucker, Judith E. In the house of the law: Gender and Islamic law in Ottoman Syria and Palestine. Univ of California Press, 1998.
  29. Ali, Kecia. Sexual ethics and Islam: Feminist reflections on Qur’an, Hadith, and jurisprudence. Oxford: Oneworld, 2006.
  30. See: El Fadl, Khaled Abou. Speaking in God’s name: Islamic law, authority and women. Oneworld Pubns Ltd, 2001; Esack, Farid. Quran, liberation & pluralism: an Islamic perspective of interreligious solidarity against oppression. Oneworld Pubns Ltd, 1997; Wadud, Amina. Inside the gender Jihad: women’s reform in Islam. Oxford: Oneworld, 2006.
  31. Badran, Margot. “Understanding Islam, Islamism, and Islamic Feminism.”Journal of Women’s History 13.1 (2001): 47-52: 50.
  32. Nilufer Gole, “Snapshots of Islamic Modernities,” Daedalus, 129, no. 1 (2000): 91–117.
  33. يجب ملاحظة أن الميل إلى التصالح هو أيضًا مفهومًا إشكاليًا يرتبط بالأنطولوجيا الليبرالية.
  34. Ibid: 156.
  35. Mahmood 2004: 575.
  36. Ibid: 576.
  37. See: Afsaneh Najmabadi and Ziba Mir-Hosseini.
  38. See: Fatima Mernissi and Asma Lamrabet.
  39. See: Amina Wadud, Khaled abou el Fadl, Kecia Ali and Asma Barlas.
  40. يمكن للمرء أن يسأل إذا ما كانت أدوات السيد تستطيع أن تهدم منزله بحسب قول أودري لورد. لقد اختارت العديد من النسويات الإسلاميات أن يتبعن المنهجية التقليدية، والتي تعطي تفسيراتهن شرعية أكثر بكل تأكيد. لكن المنهجيات لا توجد خارج علاقات السلطة، ومن ثم يمكن للمرء أن يضع تحت المساءلة الفرضية القائلة أن المنهجيات التقليدية المستخدمة في تفسير الإسلام موضوعية.
  41. Cooey et al 1991: 41.
  42. Ibid: 43.
  43. See for example Kecia Ali, who argues that there are limits to the re-interpretations carried out by Islamis feminists: Ali, Kecia. Sexual ethics and Islam: Feminist reflections on Qur’an, Hadith, and jurisprudence. Oxford: Oneworld, 2006.
  44. Vuola 2001.
  45. Cameron, J. (2011) ‘Epistemological origins and scope of researching international development’. Mimeo. The Hague: ISS: 26.
  46. Ibid: 28.
  47. Yuval-Davis, 2006: 195.
  48. Harding, Sandra G. Whose science? Whose knowledge?: Thinking from women’s lives. Cornell University Press, 1991: 221.
  49. Nash 2008: 2.
  50. Ibid.
  51. Phoenix 2006: 188.
  52. Ibid: 189.
  53. Phoenix in Lutz, Helma, Maria Teresa Herrera Vivar, and Linda Supik, eds. Framing intersectionality: Debates on a multi-faceted concept in gender studies. Ashgate Publishing, 2011: 138.
  54. Ferguson, S. J. ‘Reading Intersectionality’ in Ferguson, S. J. (Ed.). (2012). Race, Gender, Sexuality, and Social Class: Dimensions of Inequality. Sage Publications, Incorporated: 96.
  55. Ibid: 92.
  56. Wolf, Eric R. Europe and the People without History. Univ of California Press, 2010: 3.
  57. Husain, Mary E., and Kevin J. Ayotte. “Securing Afghan women: Neocolonialism, epistemic violence, and the rhetoric of the veil.” NWSA journal17.3 (2005): 112-133: 114.
  58. Crenshaw in Lutz, Helma, Maria Teresa Herrera Vivar, and Linda Supik, eds. Framing intersectionality: Debates on a multi-faceted concept in gender studies. Ashgate Publishing, 2011: 227.
  59. McCall, Leslie. “The complexity of intersectionality.” Signs 30.3 (2005): 1771-1800: 1781.