نظرية الامتيازات

من ويكي الجندر
اذهب إلى: تصفح، ابحث

نظرية الامتيازات (بالإنجليزية: Privilege Theory) هي منهجية ونظرية اجتماعية تعمل على تحليل التمييز والاضطهاد. ويشير مصطلح "الامتياز" إلى الفرص والامتيازات التي يتمتع بها شخص ما بشكل روتيني بناءً على نوعه الاجتماعي، أو جنسه، أو ميله الجنسي أو عرقه و لونه، أو طبقته الاجتماعية على حساب مجموعة أخرى.[1] في البداية ركزّت نظرية الامتيازات على الجندر والعِرق لتشير إلى الامتيازات غير المستحقة التي تُمنح للرجال في المجتمعات الأبوية وإلى الأشخاص البيض في مجتمعات الأغلبية البيضاء. بعدها تطورت النظرية لتشمل على الميل الجنسي و الهويّات الجندرية ومن ثم تطورت لتشمل جوانب أخرى أكثر تقاطعية، مثل الطبقة والدين واللغة والصحة الجسدية والنفسية.

أبرز أفكار النظرية

يكمن جوهر نظرية الامتيازات في الفكرة التي تقول أن الاضطهاد يعمل من خلال مجموعة من السلطات والحقوق والامتيازات غير المستحقة التي تستمتع بها بعض المجموعات، نتيجة لجوانب معينة في هويّاتها، لا دخل لها بها. وتشمل تلك الجوانب على العِرق و لون وحجم الجسد و الطبقة والجندر و الهويّة الجندرية و الميل الجنسي و اللغة و الموقع الجغرافي و السلامة البدنية والنفسية والعقلية و التعليم و الدين وغيرهم. فعلى سبيل المثال، يحصل الرجال على امتيازات نتيجة لجندرهم ولا يتعرضون في المقابل إلى التمييز الجنسي. وتشير النظرية إلى أن استخدام مصطلح "امتياز" لا يعني الاعتقاد بأن الجميع يستحق التعرض للاضطهاد أو التمييز، بل للاعتراف بأنه ليس تجربةً يمرّ بها الجميع.[2]

وتشير النظرية إلى وجود "سلطة مؤسسية" تعمل على إنتاج وتكريس تلك الامتيازات، فتميز تلك الأنظمة القمعية والتمييزية لصالح بعض المجموعات وتضطهد أخرى؛ فتفضّل، على سبيل المثال، الأنظمة الأبوية الرأسمالية الرجال والأغنياء و المغايرين جنسيًا وأصحاب الهويّات الجندرية النمطية وتستخدم سلطتها المؤسسية لتهميش النساء و التمييز ضدهن وضد الطبقات الفقيرة و المثليات/ين وأصحاب الهويّات الجندرية غير النمطية. [2] ويشارك المنتفعين و المنتفعات من هذه الامتيازات في استمرار هذا النظام التمييزي، ولكن لا تعني حيازة شخص ما على إحدى الامتيازات أنه سيئ، ففي أغلب الأحيان لا يعي المنتفعين والمنتفعات من هذه الامتيازات بوجودها في الأصل، وبالتالي تعمل منظرّات ومنظرّي الامتيازات على جعل تلك الامتيازات "مرئية"، للفت نظر الأفراد إلى الامتيازات التي يعتبرونها شيء مسلّم به و "طبيعي"، وليس امتيازًا غير مستحق. كما تعمل الامتيازات على المستوى السيكولوجي للفرد، فتصبح انحيازًا لا إراديًا، وبالتالي تدفع النظرية الأفراد على "تفقُد امتيازاتهم" ونقدها بشكل مستمر، واستخدام تلك المعرفة لعرقلة هذا النظام.

تاريخ مفهوم الامتياز

نشأ مفهوم الامتياز في الولايات المُتحدة الأمريكية، وتغير استخدام وفهم المصطلح على مر التاريخ بالتوازي مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شكلت المجتمع الأمريكي. فلقد تطور مفهوم الامتياز خلال أربعة مراحل تاريخية مختلفة، أولها هي مرحلة الامتياز الأبيض الدستوري والقانوني، وهو يعني كفالة بعض الحقوق حصرياً مثل حق المواطنة وحق التملّك للبيض دون قرنائهم من السود. وثانيها هي مرحلة ما بعد التعديل الرابع عشر والخامس عشر للدستور الأمريكي الذي كفل للسود بعض الحقوق دستورياً ولكن بطء تعديل القوانين أدى لعدم تطبيق تلك التعديلات الدستورية، في تلك الفترة بدأت الصحافة والجرائد العلمية تقدم الامتياز الأبيض باعتباره مرحلة فائتة من الماضي الأبيض، وارتفعت الآمال بشدة حول إنتهاء الامتياز الأبيض ولكن لم يختلف الوضع اجتماعياً وقانونياً كثيراً. وثالثها مرحلة ما بعد تشريع قانون الحقوق المدنية لعام 1964، الذي يجرم أي فعل تمييزي مبني على أساس العرق والذي يكفل جميع الحقوق المدنية للمواطنين الأمريكيين البيض والسود والملونين على حدِ سواء، حينها أًصبحت النظرة السائدة للامتياز الأبيض أنه جزء من الماضي التشريعي الأمريكي، ولكن بالرغم من تشريع ذلك القانون إلا أن بعض الأفعال والممارسات العنصرية استمرت في الحدوث وهذا ما تحدث عنه الكثير من الصحفيين والأكاديميين ولكنهم كانوا يفسرونه بكونه بقايا من رواسب الامتياز الأبيض الذي انقضت أعوامه. والمرحلة الرابعة والمعاصرة لمفهوم الامتياز، هي مرحلة ما بعد عام 1988 عندما عرفت الكاتبة النسوية والأكاديمية بيجي ماكينتوش مفهوم الامتياز باعتباره جزءًا من تكوين اللاوعي الأميريكي حيثُ أنه أعمق من الحقائق الهيلية والتشريعات، وجادلت قائلة أنه لذلك لم يستطع التعديل الرابع عشر للدستور أو تشريع قانون الحقوق المدنية من القضاء على الامتياز الأبيض، لأن الامتياز الأبيض ليس مجرد مشكلة يمكن أن تُحل بمجرد كونها غير قانونية، ولكنه مرتبط بالطريقة التي يرى ويختبر بها المواطنين البيض واقعهم اليومي.

فيما يلي عرض سريع لتلك المراحل:

الامتياز الأبيض الدستوري والقانوني

كان الكتاب يستخدمون مفهوم الامتياز الأبيض بتفسير كونه نتيجة للأفعال الشعبية التمييزية التي تعمل القوانين الحكومية على خلقها واستدامتها، بكلمات أخرى كان مفهوم الامتياز الأبيض مرتبط بالحقوق المكفولة للبيض قانونيًا ودستوريًا والتي ليست مكفولة بدورها لقرنائهم من السود.

فكان مفهوم الامتياز الأبيض يمثل حقوق قانونية مثل قدرة البيض على أن يكونوا مواطنين، وأن يصوتوا في الانتخابات، وأن يتملّكوا، بالإضافة لامتيازات قانونية أخرى. فكانت حكومات الولايات المتحدة الأمريكية تحافظ على وجود تلك الامتيازات المنهجية والبنيوية في إطار القانون والدستور وتطبيقاتهم. [3]

التعديل الرابع عشر

في عام 1868، وقع الرئيس الأمريكي جونسون على التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، والذي جعل من غير القانوني أن تمرر الدولة قوانين قد تحرم أي من المواطنين الأمريكيين من الحصانات والامتيازات المكفولة لهم، أو التي قد تحرم أي مواطن أمريكي من الحياة او الحرية أو الحق في التملك، أو التي قد تحرم أي شخص يقع تحت السلطة القضائية الأمريكية من الحماية القانونية المتساوية.

وقد عمل ذلك التعديل على ضمان الاعتراف بمواطنة كل من يولد على أرضِ أمريكية، كما أحدث ذلك التعديل تغيراً كبيراً في الرؤية القانونية لمواطنة لكل من الأمريكيين الأفريقيين والمواطنين الأصليين والمواطنين من أصول آسيوية، حيثُ في عام 1857 كانت قد حكمت المحكمة العليا الأمريكية أنه لا مواطنة للأمريكيين من أصول أفريقية حتى وإن لم يكونوا عبيداً في ماضيهم. مما كان يترتب عليه عدم السماح للأمريكيين من أصول أفريقية بالتمتع بكل الامتيازات والحصانات القانونية أو الدستورية كمواطنين أمريكيين.[4]

في عام 1892، حاول مواطن أمريكي من أصول أفريقية أن يجلس على كرسي في إحدى عربات السكة الحديد المخصصة للبيض فقط في ولاية نيو أورليانز، تم القبض على هذا المواطن الذي جادل بأن تلك الخطوط تنتهك التعديل الرابع عشر بمنع السود كمواطنين أمريكيين من شغل بعض المساحات العامة وتخصيصها فقط للبيض. ولكن بعد أربعة أعوام من تلك القضية قضت المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية أن شركة القطارات التي منعت هذا المواطن من الجلوس على مقعد مخصص للبيض كانت تتصرف وفقًا للقانون والدستور الأمريكيين، ولم تنتهك التعديل الرابع عشر.[5]

فبالرغم من ارتفاع آمال الكثيرين بالحد من التمييز العنصري بعد إقرار التعديل الرابع عشر، إلا أن ذلك التعديل الدستوري لم يغير من حقيقة الممارسات العنصرية والامتيازات التي استمر البيض في حيازتها دوناً عن المواطنين السود أو الملونين.

أول من نظر لفكرة الامتياز الأبيض هو عالم الإجتماع والمؤرخ الأفريقي الأمريكي دو بوا (W.E.B Du Bois) في كتابه أرواح الأمة السوداء (The Souls Of Black Folk)،عام 1903، الذي تضمن مجموعة من المقالات حيث جمع فيها دو بوا ما بين مصطلحي "الوعي المزدوج" (Double Consciousness) و"الحجاب" (The Veil).

يقصد دو بوا بالوعي المزدوج هو الاعتقاد بأن الأميريكيين من أصول أفريقية يعيشون مع هويتين متضاربتين من الصعب جداً دمجهم سوياً بالكامل، الهوية الأولى والأكثر أهمية لتجربة السود هي الهوية السوداء، وثاني أهم هوية هي الهوية الأمريكية والتي نشأ فيها الرجل الأسود نتيجة لما تبقى من تاريخ العبودية. ويقصد بالحجاب هو محاولة العيش بتلك الهويتين المتناقضتين، حيث يعيش الأميريكيون من أصول أفريقية تجارب حياتية خلف الحجاب، فبالرغم من قدرتهم على فهم ماهية حياة الآخرين من داخل وخارج مجتمعهم، إلا أن الأشخاص البيض لا يستطيعون أن يفهموا تجارب السود بشكل كلي. فكتابة دو بوا عن "أرواح الأمة السوداء" هو بمثابة إعطاء نفحات من خلف الحجاب عن تجارب السود.[6]

لم يستخدم دو بوا مصطلح "الامتياز الأبيض" في كتابته، ولكنه كان ينظر للمفهوم من المنطلق السائد لفهم الامتياز البنيوي والمفروض سياسياً في ذلك الوقت.[3]

قانون الحقوق المدنية لعام 1964

كانت العلامة الفارقة فيما يتعلق بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية هي إقرار قانون الحقوق المدنية في عام 1964، وبعده أصبح بالنسبة للكثير من الكتاب الامتياز الأبيض مرتبط بالسنين السابقة من التمييز القانوني، التي قد انتهت باقرار هذا التشريع.


في عام 1968، كتبت بيتي واشنطن (Betty Washington)، محررة في جريدة مدافع شيكاجو (The Chicago Defender)، عن أنه بالرغم من إقرار قانون الحقوق المدنية، إلا أن جيتوهات الامتياز الأبيض مستمرة في الوجود، وأن هناك الكثير من العادات المرتبطة باستدامة ذلك الامتياز لم تنتهِ بعد، وجادلت بأن اختيار بعض السكان أن تكون بعض المناطق في ولاية شيكاجو حصرية فقط للسكان البيض، برغم عدم قانونية ذلك، يعتبر ممارسة لذلك الامتياز وممارسة للتمييز العرقي الاجتماعي.

لم يكن هذا الوضع مقتصرًا على أحياء ولاية شيكاجو فقط، ولكنه كان موجودًا في بعض الولايات الأخرى كنيويورك، حيث كتب الصحفي ماكندليش فيليبس (McCandlish Philips)، عن اختيار سكان منطقة الرفيفرديل (Riverdale) إبقاء منطقتهم هادئة وفاخرة من خلال منع أي أفراد سود أو ملونين من تملك عقارات في تلك المنطقة، وبالرغم من ذلك فإنه أقر أن هناك الكثير من رجال السياسة والأعمال واعين بضرورة إنهاء نمط الامتياز الأبيض القديم، بالنسبة لمكاندليش، كان الامتياز الأبيض جزءًا من الماضي الأمريكي الأسود، الذي لم يُسمح فيه للسكان من غير البيض أن يتملكوا عقارات في منطقة الريفرديل، وبالنسبة له فمن الواجب إنهاء هذا الفصل العنصري الاجتماعي، وذلك من خلال تغيير عملية صنع القرار ما بين قاطني المناطق مثل الريفرديل، فبالنسبة له ولرجال النخبة الذين تحدث عنهم في مقاله كانت مسألة إنهاء الامتياز الأبيض وممارساته هي مسألة اختيار، وأن قاطني منطقة الريفرديل وغيرها عليهم أن يغيروا إختياراتهم بخصوص السماح للسود والملونين بالسكن في منطقتهم.

كما كان للصحف والنشرات الكنسية نفس الفهم للامتياز الأبيض، حيث نشر المنشور نصف السنوي "القرن المسيحي" (Christian century) مقالاً بقلم مايكل ستون تحت عنوان سنة البيان الأسود (The Year Of The Black Manifesto)، حيث عرض المقال آراء مع وضد دفع تعويضات للسود لتعويضهم عن الخسائر المادية التي تكبدوها أثناء سنين الاضطهاد، وخاصةً سنوات العبودية. كان الهدف من تلك التعويضات هو تعويض الخسائر الناجمة عن فقدان الأراضي أو الممتلكات عندما كانت الملكية الخاصة غير مقننة للسود والملونين، وأيضاً عدم قدرتهم على الاقتراض أو الانخراط في العديد من الممارسات المالية الأخرى التي كان المواطنين قادرين على المشاركة فيها دائماً. وأوضح ستون أن قيادة الكنيسة قد اعترفت بوجود العنصرية في الولايات المتحدة ولكنه أضاف أن تلك القيادات رفضت مطالب التعويضات، مشيرين أن المهمة الدينية هي التعامل مع الندوب الموجودة حالياً في أرواح النساء والرجال السود والملونين والناتجة عن الامتياز الأبيض الذي كان يتم ممارسته في الماضي.

في عام 1977، نشرت صحيفة أتلانتا ديلي وورلد (Atlanta daily world) مقالاً كان في الأصل مطبوعاً في أحد مجلات الكنيسة الميتودية (أحد الطوائف المسيحية الإنجيلية)، وجاء في هذا المقال دعم القساوسة الميتوديين لسياسات العمل الإيجابي (Affirmative action policies) التي تبنتها الكثير من الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص، دعمت الكنيسة السياسة التي تبنتها جامعة كاليفورنيا ديفيس بتخصيص 16 من أصل مئة مقعد للأقليات من الطلاب. وكانت المدرسة قد رفضت أحد المتقدمين البيض للإلتحاق بها بموجب سياسات العمل الإيجابي التي تتبعها. جادل القساوسة الميتوديون أن عدم قبول هذا الطالب لم يكن عقاباً له بسبب لون بشرته البيضاء، ولكنه في الواقع هو مجرد محاولة لإنهاء أنظمة الامتياز الأبيض الماضية.

شدد الميتوديون المتحدون على حجة المجلس القومي للكنائس حينها (National Council of Churches NCC) والذي جادل بالقول أن الدافع الذي صدر به ذلك القرار هو قمع الامتياز الأبيض وإيقاف قهر الأقليات العرقية، وليس معاقبة البياض ومكافأة الأقلية العرقية. فمن خلال هذا القرار، حاول القساوسة الميتوديون أن ينهوا سنوات من الجهود المبذولة من البيض لمنع الأقليات العرقية من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية الأكثر أهمية، حيثُ كان ممنوعًا على الطلاب من الأقليات العرقية أن يسجلوا التحاقهم بالكثير من المؤسسات التعليمية خاصةً الأكثر أهمية، وبالنسبة لأولئك القساوسة كان قرار مدرسة الطب بجامعة كاليفورنيا ديفيس بالتأكد من وجود 16 طالباً من الأقليات العرقية على الأقل هو خطوة في طريق إنهاء سياسات المدرسة القديمة والمتمثلة في استدامة الامتياز الأبيض.

كانت تلك القضية إحدى أهم العلامات الفارقة التي توضح رؤية المحكمة العليا لمفهوم الامتياز الأبيض، حيثُ حكمت المحكمة لصالح الطالب الذي تم رفضه، والذي كان يجادل بقوله أنه لا يجب أن يكون عرقه هو السبب الوحيد الذي يستخدم لقبوله أو رفضه في الجامعة، وقد اتهم الجامعة بانتهاك قانون الحقوق المدنية لسنة 1964. أوضح الحكم الصادر من المحكمة العليا الفهم القانوني للمحكمة للامتياز الأبيض، حيثُ أنه في عام 1977، عندما أثيرت تلك القضية، كان يعتبر أي فعل تمييزي هو فعل غير قانوني، فبالنسبة للقضاة أيضاً كان الامتياز الأبيض هو جزء من الماضي، ولم يكن هناك حاجة لدى الجامعات والمدارس أن ينظروا لعرق المتقدمين حتى يضمنوا قبول طلاب من الأقليات العرقية.

في مقال نُشر عام 1978، في مجلة التعليم بجامعة أوهايو والتي كانت تصدر تحت إسم النظرية من خلال الممارسة (Theory into Practice)، كتب ويليام نيلسون جونيور، الطالب بقسم الدراسات السوداء في جامعة أوهايو، أنه على الرغم من ادعاء المؤسسات التعليمية الأمريكية بأن نظام التعليم الأميريكي هو نظام ديمقراطي وأن المدارس والجامعات هي مؤسسات ديمقراطية دورها هو ابراز المواهب وتشجيع التقدم العلمي، إلا أنه في حقيقة الأمر تلك المؤسسات التعليمية هي من أكبر الدعائم التي عملت على إبقاء عدم المساواة بين البيض والسود في كل جوانب الحياة الأمريكية، فلقد كانت مؤسسة الامتياز الأبيض على رأس أولويات المؤسسات التعليمية الأمريكية تاريخيًا. وقد أوضح ويليام أن الحرمان من الفرص المتساوية في التعليم للسود في المدارس العامة، يحد من فرص عالمهم ويجعل قدرتهم على التنافس في سوق العمل محدودة. لقد درس ويليام الامتياز الأبيض من خلال مجموعة الحقائق التاريخية والهيكلية وقدرتها على التأثير في الحاضر والمستقبل على فرص السود في الانخراط في السوق والحياة العملية والاجتماعية الأميريكية.[7]

مفهوم الامتياز حديثاً

بيجي مكنتوش (1934 - )

بدأت نظرية الامتيازات بإلقاء الضوء على الميّزات غير المستحقة التي تنتجها المجتمعات الأبوية أو البيضاء أو كلاهما. ومن أبرز الكتابات الأوائل للنظرية هي كتابات الأكاديمية والناشطة الأمريكية النسوية بيجي مكنتوش (1934 - ) Peggy McIntosh، تحديدًا ورقتها امتياز البياض والامتياز الذكوري (1988) (White Privilege and Male Privilege). في مقالها، ترصد بيجي 46 امتيازًا في حياتها اليومية حيث يمكنها، نتيجة لكونها بيضاء، أن تعتبرهم أشياء مُسلّم بها، على عكس الأشخاص السود. وتُشبّه بيجي الامتيازات كـ«حقيبة ظهر غير مرئية»، فتقول:

أصبحت أنظر إلى امتياز البياض (white privilege) كحمولة مخفية من الأصول غير المستأهلة، بإمكاني الاعتماد على الاستفادة منها كل يوم، ولكن «قُصِد» لي أن أظل غافلة عنها. امتياز البياض يشبه حقيبة ظهر غير مرئية، وبلا وزن، تحوي تدابير خاصة وضمانات وأدوات وخرائط وإرشادات وكتب شفرات وجوازات وتأشيرات وملابس وبوصلة وعدة طوارئ وَشَيكًا مفتوحا.[8]

كما تجادل بيجي إلى عدم وجود وعي لدى الرجال بالامتيازات التي يمنحها لهم المجتمع الأبوي نتيجة لكونهم ذكورًا، وحملهم "حقيبة الظهر غير المرئية" الملئية بالأدوات والمصادر التي تجعل من نجاحهم وتفوقهم عملية أسهل بكثير من النساء اللاتي لا ترتدين تلك الحقيبة. وبالتالي، يعتقد أصحاب تلك الحقائب أنهم حققوا مستوى معين من النجاح معتمدين فقط على مؤهلاتهم، غير واعيين بامتيازاتهم غير المستحقة والتي ساعدتهم بأشكال عديدة على نجاحهم. وتضيف الكاتبة أنه قد يدرك أصحاب تلك الامتيازات حقيقة عدم امتلاك بعض الناس لميّزات معينة، إلا أنهم لا يدركون أن الكثير من امتيازاتهم مرتبطة بإقصاء وتجريد غيرهم من تلك الميّزات. وتنهي بيجي ورقتها مشيرة إلى أن إدراك أصحاب الامتيازات بامتيازاتهم ليست كافية لإنهاء التمييز، فتقول "يمكن للأفعال الفردية أن تخفف من من هذه المشاكل، لكنها لن تقضي عليها".


تطورّت نظرية الامتياز بعدها لتشمل ساحات لامتيازات أخرى أكثر تقاطعية، لتشمل جوانب أخرى مثل الميل الجنسي و الهويّات الجندرية والطبقة والدين واللغة. في مقالهم توسيع تعريف الامتياز: مفهوم الامتياز الاجتماعي (2005) (Expanding the Definition of Privilege: The Concept of Social Privilege)، تعيد ليندا ل. بلاك Linda L. Black وديفيد ستون David Stone تعريف مفهوم الامتيازات عن طريق توسيع ساحات الامتيازات لتشمل 5 تقاطعات اجتماعية أخرى للهويّة غير الجندر والعِرق. فيُعرّفان "الامتيازات الاجتماعية" على أنها أي استحقاق أو استحسان أو سلطة أو حَصَانة أو ميّزة تمنحه/ا المجموعة المُسيطرة لشخص أو مجموعة أخرى عند ولادتهم. ويتمثل هذا الامتياز في مجموعة من المجالات وهي: العِرق والجندر والميول الجنسية والحالة الاجتماعية والاقتصادية والسن ودرجة السلامة الجسدية والنفسية والانتماء الديني. ولا يوافقان بيجي مكنتوش، وغيرها، في اقتراحهم أن أصحاب الامتيازات لا يدركون دائمًا حقيقة حصولهم على امتيازات غير مستحقة، فقد يكونوا مدركين لهذه الحقيقة. وتجادل ليندا وديفيد أن أصحاب الامتيازات الاجتماعية هم من ينظروا إلى الانحياز أو التعصب، بانفصال عن الأشخاص الذين تمارس ضدهم هذه الاضطهادات. ويتمثل هذا الانفصال في عدم تفاعل أصحاب الامتيازات للقضاء على الامتيازات والاضطهاد. [9] ويشيران إلى أن الامتيازات الاجتماعية تؤدي إلى شعور أصحاب الامتيازات بشعور بقيمة ذاتية مبالغ فيها وإيمانهم بتفوقهم الذاتي "الطبيعي" على الآخرين وضرورة اضطهاد الآخرين للحفاظ على الوضع القائم. بينما يكون من الصعب على الأشخاص المضطهدة بسبب الامتيازات الاجتماعية الوصول إلى الموارد الاقتصادية والاجتماعية السائدة. كما يتم التكريس لكرههم والتقليل منهم وعدم الثقة بهم، مما يسبب في شعورهم بالشقاق عن المجتمع.

نظرية التقاطعية ونظرية الامتيازات

يخلط الكثيرات والكثيرون ما بين نظرية التقاطعية ونظرية الامتيازات، على الرغم من أن النظريتين لا يمثلان الشئ ذاته إلا أنه يوجد مساحات من التشابك فيما بينهما.

تعتمد النظريتان على سياسات الهوية، فبالنظر لمفهوم الامتياز نرى أنه مبني على أساس المزايا أو الحقوق التي يضمنها امتياز فرد ما في سياق حمله لهوية تكون أحد مكونات نظام إجتماعي وسياسي معين، فعلى سبيل المثال حمل الشخص للهوية الرجولية في داخل مجتمع أبوي وذكوري يكفل له العديد من الامتيازات التي لم ولن تكون مكفولة له إذا كان يحمل هوية أخرى غير مهيمنة أو غير مفضلة في ذلك النظام الأبوي، الذي تقوم تراتبيته على الإعلاء من شأن الرجال/ الذكور المنصاعين لأدوارهم الجندرية المحددة سلفاً.

بينما تمكننا نظرية التقاطعية من رؤية تقاطع هويات الفرد المختلفة داخل المجتمع الذي يتكون من أنظمة مختلفة للقهر، فتساعدنا على رؤية تقاطع هويات الفرد الواحد فيما بينها، وكيف تؤثر حقيقة حملنا لهويات متعددة على إعطائنا امتيازات بسبب بعض الهويات وفي نفس الوقت أن نتعرض للقهر بسبب حملنا لبعض الهويات الأخرى.

فنظرية الامتيازات تعطي تحليل للبنية الحالية لإحدى الهويات، فيها يعتبر الامتياز المبني على عنصر محدد كالعرق أو الجندر أو الطبقة الاجتماعية، هو أحد أوجه ممارسة لتلك الهوية في عالم تتقاطع فيه تلك الهويات، وتؤثر على مجري حيواتنا اليومية. ونظرية التقاطعية تعطي تحليل للبنى المختلفة التي تشكل مجتمع ما، وكيف تتداخل تلك البنى في بينها لتعطي واقع أكثر تعقيداً لحياة الفرد الواحد الذي يختبر الحياة من خلال كل هوياته مجتمعة، بكل ما تعطيه من أوجه للامتياز وأوجه للقهر.[8]

نقد النظرية

بالرغم من أن نظرية الامتيازات كانت مهمة لإشارتها إلى كيفية بناء الأنظمة التمييزية لهويّاتنا كأشخاص، إلا أنها انتُقدت في عدة جوانب أخر؛ فانتُقدت لكونها، كما وصفتها عصمة تشونارا و يوري براساد، "نظرية تشاؤمية" تجرّد أصحاب الامتيازات من القدرة على المقاومة كأشخاص فعّالة؛ حيث ترى النظرية أصحاب الامتيازات مستفيدين تلقائيين من اضطهاد غيرهم، ولا يمكنهم الهروب من التواطؤ في هذا الاضطهاد أو التنازل عن تلك الامتيازات. فأفضل ما يمكنهم فعله هو الإدراك الذاتي لماهية تلك الامتيازات، وأن يصبحوا "حلفاء ملائمين" لمن يواجه الاضطهاد. وهنا تميل النظرية إلى "اختزال الجدل السياسي في مناشداتٍ أخلاقية ومشاعر شخصية"، بدلًا من محاولة فهم وتحليل أسباب هذا الاضطهاد. ويجادلا بأن النظرية تخلط بين المشاكل وأعراضها؛ فالامتيازات والاضطهادات الناتجة عن حجم الجسد، على سبيل المثال، ليست مشكلة متواجدة بشكل مستقل، بل هي إحدى أعراض التمميز الجنسي ضد النساء. كما تشير عصمة تشونارا ويوري براساد إلى محدودية النظرية، فيجادلا بأن نظرية الامتيازات تجعل من إدراك الامتيازات والاعتراف بها "غاية بحد ذاتها"؛ فسرد الامتيازات بهذه الطريقة لا يشير لشيء سوى لحقيقة وجود مجتمع تمييزي، ولا يحاول في المقابل فهم أسباب هذا التمييز وأساليب التكريس له وكيفية التغلب عليه لخلق مجتمع لا تمييزي.[8]

كما انتُقدت النظرية لتحويلها "تمييز" و"اضطهاد" بعض المجموعات إلى "امتيازات" غير مستحقة تملكها مجموعات أخرى؛ فينتقد ساندو هيرا Sandew Hira يجي مكنتوش لعدم تسميتها الأشياء بمسمياتها؛ فلا تُسمي العنصرية عنصرية ولا تُسمي الظلم ظلمًا، بل تختزل كل هذا تحت مسمى "امتياز". كما يشير أنها تتجاهل الخلفية التاريخية للعنصرية وجرائمها وارتباطها بالاستعمار؛ ويجادل أنه لو كانت العنصرية مجرّد "حقيبة ظهر غير مرئية" ذاتية بها أدوات وميّزات، كما تصفها يجي، فيمكننا إذًا تسميتها "امتياز البياض" فقط ونتخلى عن استخدام مصطلح العنصرية ونتجاهل تاريخها. كما انتُقدت النظرية لتحويلها مشاكل مؤسسية وتاريخية إلى مشاكل ذاتية، فتحول التركيز من بناء حركات اجتماعية جماعية تعمل على إسقاط الأنظمة القمعية إلى "اعتراف فردي".[10] ويشير ساندو إلى أن يجي تستخف بالعنصرية وجرائمها وتسرد قائمة من الامتيازات على مستوى "التواصل السطحي بين الأفراد" وتتجاهل العنصرية المؤسسية على مر التاريخ. [11] ويوافق ر. ل. ستيفنس 2 R.L. Stephens II على محدودية النظرية وتركيزها على الأفراد، بدلًا من المؤسسات؛ فيشير أن الفكرة لا تكمن فقط في استيعاب الأشخاص المحرومة من الميّزات، بل في تطوير استراتيجيات جماعية للقضاء على أنظمة السلطة التي تخلق هذه الامتيازات في المقام الأول. ويضيف أنه عند "تشخيص المشكلة أكثر من اللازم" تتحول نظرية الامتيازات في أسوأ الأحوال إلى "أولومبيات اضطهاد" وساحة تبادل اللوم ودفع الآخرين للشعور بالخجل والذنب، وفي أحسن الأحوال، نتعامل مع الظلم والاستبداد المؤسسي كمشكلة ذاتية وتدريب أخلاقي "للاعتراف بالامتيازات"، بدلًا من مناقشة العلاقة بين السلطة المؤسسية والسلوك الشخصي بشكل ملائم.[12]

مراجع

مصادر